أربعين عاماً استمر «احتلال» أفراد إحدى العائلات لأربعة عقارات في منطقة بئر حسن، «استثمروا» خلالها هذه العقارات بتحويلها إلى مقبرة، متقاضين من ضحاياهم الأحياء عشرات آلاف الدولارات.

لسنوات طويلة، «شغِلَ الموتى عقارات مُغتصَبة»، على حدّ تعبير معن خليل، رئيس بلدية الغبيري التي تابعت الملف نحو سنتين ونصف سنة، قبل أن تقرّر في 14 الجاري إقفال المدافن و«منع استعمالها أو الدفن فيها».
بحسب تأكيدات عدد من أهالي المنطقة لـ«الأخبار»، فإنّ «القصّة معروفة منذ زمن طويل، إلّا أن أحداً لم يجرؤ على إثارة الموضوع، لأن المعتدين مدعومون ومحميّون من جهات تستفيد بدورها من الأموال الطائلة التي كانوا يتقاضونها». إذ كانت تتجاوز كلفة دفن الميت في المقبرة أربعة آلاف دولار! ولم يكتفِ هؤلاء بالاعتداء على أملاك الغير وتوسيع «نشاطاتهم» لتطاول عقارات عدة، بل عمدوا إلى «استثمار القبور حتى آخر نفس»، إذ كانوا يحطّمون أجزاءً من القبور القديمة كنوع من «الاختبار»، فإذا لم يُعد ذوو الميت إصلاح القبر، أيقنوا أن أحداً لا يزوره، فيعمدون عندها إلى بيع «الموقع» لاستقبال «ميت جديد»!
قانوناً، تخضع إدارة المدافن للأوقاف الدينية. وبما أنّ المقبرة احتضنت أمواتاً ينتمون إلى الطائفتين الشيعية والسنية، راجعت بلدية الغبيري دار الإفتاء الجعفري ودار الفتوى اللتين أكّدتا أن عمليات الدفن «جرت بصورة عشوائية ومن دون علمهما»، وأنهما لم تولّيا أحداً مهمة الإشراف على إدارة هذه المدافن.
في المبدأ، تُعدّ خطوة إقفال المقبرة، التي أقدمت عليها البلدية استناداً إلى المادة 74 من قانون البلديات المتعلقة بصلاحيات الرئيس في «المحافظة على النظام في المدافن وعلى حرمتها»، جريئة وضرورية. إلّا أن أسئلة عدّة تُطرح عمّا إذا كانت البلدية ستوفّر مقبرة بديلة، وعن مصير من دُفنوا في العقارات الخاصة التي يطالب أصحابها بها، وعن الجهة المخولة البتّ في هذا الملف الشائك بما يراعي حق مالكي العقارات وحرمة الأموات؟

بلدية الغبيري أقفلت المقبرة والبحث عن تسوية تحفظ حرمة الموتى


يُقرّ خليل بأن لا بديل، «ولا مكان لدفن أموات عائلات المنطقة حالياً»، لافتاً إلى أن «على السلطات الدينية المسؤولة عن هذا الملف إيجاد البديل، سواء عبر التوصل إلى تسوية مع أصحاب العقارات، أو وضع صيغة منصفة لجميع الأطراف. المهم إيجاد حل جذري لهذا الوضع الشائب قانوناً وشرعاً، وهي مهمة لا تقع على عاتق البلدية». ويوضح خليل أن أي تسوية «يفترض ألا تنال من حرمة الموتى. لكن المشكلة الأكبر تتعلق بعدد كبير من المواطنين الذين يطالبون باسترداد أموال دفعوها بدل حجز قبور لهم مسبقاً في المقبرة». إذ إن المستولين على العقارات كانوا يبيعون، سلفاً، مواقع في المقبرة لراغبين في حجز قبور لهم، «وهناك من دفع خمسة آلاف دولار ثمن قبر له»!
وتتوزع المقبرة على أربعة عقارات، هي: العقار رقم 289، وهو أكبرها (4218 متراً مربعاً)، العقار 208 (1758 متراً مربعاً)، العقار 3207 (505 أمتار مربعة)، والعقار 203 البالغ (1497 متراً مربعاً). وبحسب الإفادات العقارية، فإنّ العقار رقم 203 وحده من بين العقارات الأربعة مُصنّف كـ «مقبرة»، فيما تعود العقارات الثلاثة الأخرى البالغة مساحتها نحو 6500 متر مربع إلى مالكين خاصين يُطالبون باستردادها. وإلى قرار إقفال المقبرة، تقدّمت بلدية الغبيري بدعوى ضدّ المستولين على العقارات الأربعة لاعتدائهم أيضاً على جزء من العقار 3208 المجاور للمدافن (تحطيم التصوينة) ولسرقتهم مياه البلدية.
تبقى المُفارقة الأبرز في إقدام «مجهول» على نزع اللافتات التي علّقتها البلدية على مدخل المدافن والتي تفيد بإغلاقها، ما يوحي بحجم «ثقة» هؤلاء بقدرتهم على مخالفة القرار، وما يطرح تساؤلات عن الجهة التي يستمدّون منها هذه الثقة.