منذ عام 1983، تحولت خزانات النفط في طرابلس إلى خردة. الحرب قضت عليها، والإهمال ترك مكانها أرضاً محروقة لثلاثين عاماً، حيث لم يبق حتى اليوم سوى عدد محدود من الخزانات التي بالكاد تغطي جزءاً من الاستهلاك المحلي.

في أيار من عام 2017، أطلقت الحكومة مناقصة لتخزين 428 ألف طن من مشتقات النفط في المنشآت الشمالية. وأمس وُقّع العقد مع الشركة الفائزة، أي شركة «روسنفت» الروسية. وهذا «سيسمح بإعادة تطوير منشآت النفط في طرابلس وتأمين مدخول إضافي لها، ما يعزّز الثقة بالاقتصاد اللبناني»، على ما أعلن وزير الطاقة سيزار أبي خليل، خلال التوقيع.
بحسب تفاصيل العقد، فإن الشركة المملوكة من الحكومة الروسية بنسبة 51 في المئة، ستستأجر سعات تخزينية من منشآت النفط، بعد أن يتم بناء الخزانات، ولمدة 20 عاماً. ووفق هذه الآلية المعتمدة عالمياً، ستدفع الشركة ثمن تخزين كل طن يخزّن في المنشآت، بصرف النظر عن عدد مرات التفريغ والتخزين. وفيما تم التحفظ على سعر تخزين الطن، إلا أنه سيشكل عائدات مهمة للبنان سيتسفيد منها للاستثمار في المنشآت، وتأمين مداخيل إضافية.
كذلك يسهم هذا العقد في انضمام لبنان إلى نادي الدول المخزّنة للنفط، الذي يضم دولاً عديدة في حوض المتوسط، كانت أولاها مالطا، التي اشتهرت في تقديم هذه الخدمة لسنوات طويلة، قبل أن تتبعها تركيا وتونس وقبرص وغيرها، نتيجة النمو الكبير للقطاع، وفي ظل الاستثمارات المتزايدة من قبل شركات النفط الكبرى. فتخزين مشتقات النفط، يسمح عملياً للشركات المصدّرة بتأمين حاجات زبائنها من النفط مهما كانت الخصائص المطلوبة، بنحو سريع. فهي إذ تخزّن كل مادة من المواد النفطية بشكل مستقل، فذلك يسمح لها بتأمين حاجات زبائنها المختلفة، من خلال التحكم في مواصفات ونسب التركيز النفطي للمنتج النهائي المعد للتصدير. وبما أن الشركة الروسية العملاقة ستعتمد لبنان كمركز انطلاق لتزويد زبائنها بالنفط، فإنه، إضافة إلى مردوده من الإيجار، قد يستفيد من أسعار مخفّضة للنفط، إذ إن الشركة سيكون لديها تنافسية أكبر عندما تشارك في المناقصات التي تجريها منشآت النفط لشراء المشتقات النفطية، كون النفط سيكون متوافراً لديها في لبنان.
وإذا كان فوز الشركة الروسية قد جاء نتيجة تقديمها العرض الأفضل في المناقصة، من الناحية المالية، فإن ذلك لا يلغي النتائج الجيوسياسية لهذا الفوز بالنسبة إلى كل من لبنان وروسيا.
فلبنان سيضمن وجود النفط على أراضيه بوصفه مخزوناً استراتيجياً، فيما سيشكّل رفع العلم الروسي فوق المنشآت في طرابلس خطاً أحمر يمكن أن يسهم، إضافة إلى سلاح الردع، في حمايتها مستقبلاً، بعدما كانت إسرائيل تستسهل قصف خزانات النفط اللبنانية، كما جرى في عام 2006.
وأكثر من ذلك، ثمة من يأمل أن يسهم الوجود الروسي في الشمال، كما في سوريا، مستقبلياً، في حل الخلاف على ترسيم الحدود البحرية مع سوريا، وخاصة في البلوك رقم واحد.
أما من ناحية روسيا، فوجودها في لبنان سيثبّت أقدامها في المنطقة أكثر فأكثر، في التجارة، كما في السياسة، إذ ستؤمّن مركزاً ومنفذاً على البحر المتوسط لتصريف إنتاجها النفطي في المنطقة، ولا سيما من الحقول التي تعمل على تطويرها في العراق. ويأتي هذا العقد بمثابة اختراق للحظر المفروض على روسيا في لبنان، من قبل الولايات المتحدة الأميركية، ليكون الاختراق الثاني من نوعه بعد دخول شركة «نوفاتك» الروسية مع «توتال» الفرنسية و«إيني» الإيطالية في التحالف الفائز برخصة التنقيب عن الغاز والنفط في البحر اللبناني.

خزانات النفط تحتاج إلى 18 شهراً لإنجازها


ولهذا، فقد أعلن نائب رئيسها ديديي كازنيرو (Didier Casimiro) أن الشركة مهتمة بالعمل في المنطقة، وهو مشروع استراتيجي بالنسبة إليها، يوسع نشاطها ويعطيها الفرصة لاستثمار أوسع في لبنان والدول المجاورة.
وفيما سيتم في المرحلة الأولى بناء 14 خزاناً بسعة 428 ألف طن (تعادل مصروف لبنان من المشتقات النفطية لشهرين)، فإن هذه المرحلة ستحتاج إلى 18 شهراً لإنجازها، من تاريخ توقيع العقد مع الشركة التي ستنفذ عمليات البناء. بعد ذلك، يُفترض أن تبدأ المرحلة الثانية من العقد، والتي ستضيف 32 خزاناً إلى المنشآت بقدرة استيعابية تقدّر بمليون طن.



أبي خليل: نسعى إلى إعادة تشغيل خطوط الغاز
اعتبر وزير الطاقة سيزار أبي خليل أن مشروع منشآت النفط في الشمال «ينخرط ضمن الرؤية الأشمل لقطاع منشآت النفط بداية، ولقطاع النفط عامة، الى جانب مشاريع أخرى، أكان ضمن محطات استقبال الغاز السائل أم إعادة بناء المصافي». وأشار إلى أن «هذا الامر الذي لم يكن مسموحاً به في سوق النفط، حيث اتجهت كل الاستثمارات إلى قطاع التخزين، وعندما يسمح السوق ستذهب الى التكرير أيضاً. كذلك الأمر فإن المنشآت هي استراتيجية على شاطئ المتوسط، وكانت تشكل المنفذ الثالث للبترول العراقي».
وأهاب أبي خليل «بكل السياسيين الذين يتحدثون عن القطاع أن يعوا ما الذي نقوم به، وأننا لم نبخل يوماً، لا على الاعلام ولا على الرأي العام بالشرح، ومن لا يفهم في هذا القطاع، عليه أن لا يخرِب علينا أو يضيع الرأي العام، وإننا نتابع مع الدول القريبة، أكانت سوريا أم العراق أم مصر، سبل إعادة تشغيل خطوط الغاز والنفط الموجودة في منطقتنا. ولن نقصر في أي أمر من ذلك، ولدينا عقد لاستيراد الغاز الطبيعي من مصر ما زال ساري المفعول، وهذا موضوع محادثات ثنائية».