أقفل ملف مشاريع القوانين الثلاثة المحالة على لجنة المال بموافقة استثنائية مخالفة للدستور. معظم الحاضرين من أعضاء اللجنة كانوا منذ بدايتها رافضين لمناقشتها لما تتضمنه من مخالفة دستورية واضحة تمسّ بصلاحيات مجلس الوزراء. وبالرغم من أن وزير المالية قد وقّع على مراسيم الإحالة، كما أحيلت على اللجان من رئاسة المجلس النيابي، فإن نواب حركة أمل كانوا إلى جانب نواب حزب الله وآخرين من الذين أصروا على أن هذه المراسيم تشكّل مخالفة دستورية كبيرة لا يمكن أن تمرّ.

وفيما تردد أن دوائر المجلس قد أحالت هذه المشاريع على اللجان تلقائياً، كما يحصل عادة مع مشاريع القوانين، لمّح النائب ياسين جابر إلى أن رئيس المجلس سيسحب هذه المشاريع، ولن يقبل بتسجيل سابقة بمناقشة مشروع قانون لم يصدر فيه مرسوم إحالة من مجلس الوزراء. علماً أن رئيس لجنة المال ابراهيم كنعان، كان قد أوضح أنه وضع هذه المشاريع على جدول الأعمال بوصفها أحيلت عليه من رئاسة المجلس.
بالنتيجة، لم تناقش اللجنة هذه المشاريع، بصرف النظر عن أهميتها، التي تطرق إليها كنعان والتي تتعلق بتمويل خطة النقل العام في بيروت الكبرى، تأهيل طرقات منها الأوتوستراد العربي الشمالي وطريق ذوق مصبح جعيتا ومشاريع صرف صحي.
وبالرغم من ذلك، أوضح كنعان أنه بنتيجة اتصالاته التي سبقت انعقاد الجلسة، أفيد بأن مجلس الوزراء سبق أن وافق على هذه الاتفاقيات الثلاث، وهو سيتأكد من الأمر، ويبلغ أعضاء اللجنة بما توصل إليه. وبالعودة إلى قرارات مجلس الوزراء، يتبين أن الحكومة وافقت، قبل استقالتها، على مسودات الاتفاقيات، وعلى تفويض المسؤولين المعنيين بالتوقيع عليها (وزير المالية ومجلس الإنماء والاعمار)، إلا أنها لم تصدر بعد ذلك أي قرار بالموافقة على مرسوم الإحالة، بحسب الدستور. ولذلك تحديداً، تمت الإشارة في بناءات المرسوم المحال خلافاً للدستور على المجلس النيابي، إلى الموافقة الاستثنائية من رئيس الجمهورية والحكومة، على أن يعرض الأمر على مجلس الوزراء لاحقاً على سبيل التسوية.
وتعقيباً على ذلك، أوضح الوزير السابق بطرس حرب، أن «الموافقة على الاتفاقيات تعني أن مجلس الوزراء قد وافق على مضمونها، إلا أنه ليكتمل المسار القانوني، لا بد أن يوافق على مرسوم الإحالة نفسه، وهو ما وصفه بالموافقة الفعلية على الاتفاقية، مشيراً إلى أن الموافقات السابقة لذلك هي موافقات تمهيدية لا قيمة قانونية لها.
وبالرغم من أن أحداً في الجلسة لم يعلن صراحة استعداده لتجاوز المخالفة الدستورية، إلا أن دعوة أحد النواب إلى تأجيل الأمر إلى حين التفاهم بشأنه، جعل النائب علي عمار يردّ مستغرباً كيف صارت الاتفاقات السياسية أقوى من الدستور، فإذا اتفقنا على أمر يمرّ، وإذا لم نتفق فلا يمرّ. وأشار إلى أنه لا يجوز أن يستمر هذا الوضع، وأي اتفاق يخالف الدستور لا يجوز أن يمرّ. كذلك أبدى خشيته من أن يتحول المجلس إلى مجلس السوابق، كما يُحكى عن أصحاب السوابق.
وقد أوضح كنعان بعد الجلسة أن «الإشكالية التي طُرحت دستورياً، أننا في ظل حكومة تصريف أعمال، وقد أحيلت هذه المشاريع من دون قرار لمجلس الوزراء بحسب ما هو وارد، وبالتالي يفترض عدم اختصار مجلس الوزراء بتوقيع الرؤساء والوزراء المعنيين».
وأشار كنعان إلى أنه «في ضوء ما طُرح، ولعدم تكريس أعراف جديدة لا يريدها أحد، لا في المجلس النيابي ولا الحكومة، طُرح، ووافق الزملاء على تحويل الجلسة إلى جلسة نقاش عام حول المالية العامة، مع الإشارة إلى أن هذه المشاريع أقرت في لجنة الأشغال، والبعض منها في لجنة الشؤون الخارجية».

بري يرفض مناقشة مشروع قانون لم تُصدر الحكومة مرسوم إحالته


وعليه، أعطي الكلام للمدير العام للمالية العامة في وزارة المالية ألان بيفاني ليتحدث عن الوضع المالي. فقال بداية إن المشكلة تتعلق بالنموذج الاقتصادي المبني على تدفق الدولارات من الخارج، التي يؤدي انحسارها إلى عجز هائل.
وفي ما يتعلق بالموازنة، أوضح أن واردات الاتصالات انخفضت بنسبة 39 في المئة. ورأى أن التسويات الضريبية لا مبرر لها، وهي تشجع المكلفين على عدم الدفع. وأكد أن حجم الدولة بحاجة إلى إعادة نظر، كذلك توجد إدارات ومؤسسات لا قيمة لها، وتقديمات بلا مبرر. وأكد ضرورة خفض عجز الكهرباء، رافضاً ربط زيادة التعرفة برفع مستوى التغذية بالتيار، لكنه أوضح أن التصحيح يجب ألّا يشمل الفئات الدنيا. وانتقد بيفاني تحميل المؤسسة مسؤولية العجز، مشيراً إلى أنها لا تقرر إيرادتها ولا استثماراتها ولا شراء الفيول ولا إجراءاتها الإدارية، وبالتالي إن الخسائر التي تتكبدها نتيجة انعكاس سياسات الدولة تجاهها.
كذلك تطرق النقاش إلى عمل مجلس الإنماء والإعمار، فطلب أعضاء اللجنة دراسة جدوى للمشاريع التي ستنفذ وكلفتها. وبناءً على هذا النقاش، أعلن كنعان أن «لجنة المال ستعقد جلسة خاصة مع وزارة الأشغال ومجلس الإنماء والإعمار تتعلق بكل المناطق اللبنانية، تحدد فيها الأولويات والكلفة، ونضع خطة شاملة حولها، لا مجتزأة على خلفية هذا الحزب والتيار والكتلة والنائب والمتنفذ، لنقرّ ما هو ضروري ويوقَف الهدر الحاصل، في ضوء الحديث عن علامات استفهام حول المناقصات».
وقال إن تنفيذ الإصلاحات لا يمكن أن ينتظر، ولا يجب أن نقوم بدراسات مشاريع جديدة وقروض جديدة، من دون رؤية واضحة وجدوى اقتصادية، وسياسة ضبط هدر كاملة، وتنفيذ القرارات الإصلاحية بشكل دقيق، لنهيّئ لاستقرار ونمو في المرحلة المقبلة، يعوض خسائر تكبدناها في المرحلة السابقة».