يصبّ النائب السابق وليد جنبلاط منذ أيام، غضبه على الرئيس سعد الحريري، محمّلاً إيّاه مسؤولية الضعف الذي أصاب تأثير زعامته، على خلفية تشكيلة الحكومة الجديدة.

ومع أن أزمة جنبلاط المتفاقمة منذ سنوات مركّبة ومعقّدة بفعل رهانات رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي الخاسرة أوَّلاً، وسياسة التقلّب ونقل البندقية المستمرّ، وأزمة توريث النائب تيمور جنبلاط ثانياً، إلّا أن أكثر ما يقلق الزعيم الدرزي اليوم هو التحالف العميق المتجدّد، بين الحريري ورئيس التيار الوطني الحرّ جبران باسيل. وذلك التحالف، الذي تعمّد للمرّة الثالثة، بعد اللقاء الباريسي الأول بين الرجلين في 2014، ثمّ قبل استحقاق رئاسة الجمهورية في 2016، وأخيراً قبل نحو أسبوعين في العاصمة الفرنسية (سمّاه جنبلاط «باريس 2»)، يُشعر جنبلاط بالوحدة، في مواجهة ما يراه اندفاعة من الرئيس ميشال عون لتقييده ومحاصرته. فحتى الرئيس نبيه برّي، الذي شكّل دائماً طوق حماية أخير لجنبلاط، مع حزب الله، لا سيّما في الانتخابات النيابية الأخيرة، صار مقيّد الحركة في توفير الغطاء لرئيس الاشتراكي، مع استمراره في الوقوف رأس حربة في التحريض على رفض عودة العلاقات اللبنانية ـــ السورية إلى طبيعتها.
يشعر وليد جنبلاط بالحصار. فالتحالف القائم اليوم بين النائب طلال أرسلان والوزير السابق وئام وهّاب، مع شريحة واسعة من المشايخ (باتت تشعر بأن سياسات المختارة تشكّل خطراً مستقبلياً على الدروز)، يهدّد جنبلاط، ليس بقاعدته الشعبية، بل بتوفير خيارات أخرى للدروز، تسمح مستقبلاً بالتمرّد على الزعامة التي ما عادت قادرة على تلبية حاجات «رعاياها»، مع التغيّر الديموغرافي والتعليمي الذي أصاب القرى الدرزية. وخوف جنبلاط الحقيقي من تحالف وهاب ـــ أرسلان، هو اعتباره أن الثنائي يحظى بالرعاية السورية، محمّلاً ـــ في مجالسه الخاصة ـــ اللواء ماهر الأسد مسؤولية خوض «حرب» ضدّه، وكأن أحد أبرز ضباط الفرقة الرابعة في الجيش السوري ترك هموم إدلب وشرق الفرات ليتفرّغ لجنبلاط، متناسياً أن السبب الرئيسي لقيام التحالف بين أرسلان ووهاب هو سعيه إلى الاستفراد بخصومه، فضلاً عن استخدامه المؤسسة الدينية الدرزية، لا سيّما مشيخة العقل وقضاتها، أداة سياسية ضد منافسيه، وضد سوريا، كما فعل قبل أشهر، يوم زجّ بقضاة المذهب في أمرٍ بالغ الخطورة، بالتنقل بين السفارات الغربية والمطالبة بتدخّل دولي في سوريا.
روسيا مثلاً، التي كسر جنبلاط معها الجرّة يوم تهجّم على الرئيس فلاديمير بوتين، ويوم وقف وشاهد حرق العلم الروسي في ساحة الشهداء في بيروت عشيّة الدخول الروسي إلى الميدان السوري نهاية 2015، مدّت يدها لانتشاله من مأزقه السوري، من دون جدوى. فحين حاول نائب وزير الخارجية الروسي ميخائيل بوغدانوف تأمين «خطّ» رجعة لتيمور مع سوريا، بدا الأخير أكثر تشدّداً من والده، في مؤشّر على أن النائب الشاب الذي يتخبّط في وراثة زعامة، ورث من والده خصال «الشخصنة» في العمل السياسي. ولا يقف مأزق جنبلاط مع روسيا عند هذا الحدّ، إذ إنه، وبعد أن هلّل وطبّل للدور الروسي في تحرير مختطفي السويداء من إرهابيي «داعش»، مدّعياً دوراً ما له في عملية التحرير، سارع في اليوم التالي إلى التشديد على ضرورة حصول الجيش اللبناني على الأسلحة الأميركية حصراً، بخلاف ما تسعى إليه وزارة الدفاع الروسية من رفع مستوى التعاون العسكري مع لبنان. ليس هذا فحسب، فبقدر انزعاج جنبلاط من الاتفاق الذي عقده الحريري وباسيل على تلزيم رجل الأعمال علاء الخواجة معمل دير عمار وربّما معامل أخرى، يعبّر جنبلاط عن انزعاجه من حصول «روسنفت» التي تملك أكثر من نصفها الدولة الروسية، على عقود تأهيل خزانات الوقود في طرابلس وتشغيلها.

يشعر جنبلاط بالحصار من تحالف وهاب وأرسلان متهماً سوريا بشنّ حرب عليه


خلال اليومين الماضيين، وجّه جنبلاط للحريري عدّة رسائل، علنية وخاصّة، في مجملها يحمّله مسؤولية «سقوط اتفاق الطائف» في الحكومة الجديدة، وحنينه إلى الرئيس الراحل رفيق الحريري. ويحمل جنبلاط على الحريري لعدم رفضه منح حقيبة شؤون النازحين للوزير صلاح الغريب، ممثّل الحزب الديموقراطي في «تكتل لبنان القوي»، وما يعنيه الأمر من دور للحزب في حلّ هذا الملف، وفتح خطوط أوسع أمام الدروز اللبنانيين نحو سوريا. لكنّ الخطر، كلّ الخطر بالنسبة إلى جنبلاط، هو في توزير غسان عطالله، أبرز ناشطي التيار الوطني الحرّ في الشوف والمرشّح عن المقعد الكاثوليكي بوجه النائب نعمة طعمة، وتولّيه حقيبة المهجرّين، التي استأثر بها جنبلاط سنوات طويلة. وعلى الرغم من العلاقة الإيجابية التي تجمع عطالله بجنبلاط وبمسؤولي الاشتراكي، إلّا أن زعيم المختارة يدرك مدى حيوية عطالله في العمل في قرى الشوف، وهو يسوّق أن الأخير «حاقد» على الحزب الاشتراكي بسبب رواية حول مسؤولية الاشتراكيين عن مقتل أحد أقرباء عطالله خلال الحرب الأهليّة.
لكن ما تقدّم لا يعني أن ذهاب التيار الوطني الحرّ بعيداً في تحدّي جنبلاط في الشوف عبر ملفّ المهجّرين تحديداً، من خلفية طائفية كما درجت العادة، يأتي بعواقب سليمة، إذ إن وضع جنبلاط في زاوية الاستهداف في عرينه، يدفع الاشتراكيين نحو الاستماتة في الدفاع عن نفوذهم، ويعيد الجبل إلى أيام التوتر الطائفي، التي دفع الدروز والمسيحيون فيها ثمناً باهظاً.