كالمندوب السامي أو الحاكم العسكري، تنقّل مساعد وزير الخزانة الأميركية لشؤون مكافحة تمويل الإرهاب مارشال بيلينغسليا، بين القصر الجمهوري ورئاسة الحكومة وعين التينة ووزارتي المالية والأشغال، موزّعاً تهديداته على اللبنانيين، محذّراً من مغبّة التعاون مع حزب الله، مطالباً بعزل المقاومة اللبنانية، ومتوعّداً بالويل والثبور. ولعلّ أعلى سقف تحدّث به المسؤول الأميركي خلال زيارته إلى لبنان، كان خلال لقائه جمعية المصارف أوّل من أمس، مقدّماً خطاباً حربياً عسكرياً من دون قفّازات، ومتفوّهاً بشتائم بحقّ لبنان واللبنانيين.

بدل الأحزمة الناسفة والخناجر والمنشار والصواريخ، تستخدم الولايات المتحدة الأميركية سلاح المال والاقتصاد والعقوبات، لترهيب اللبنانيين وتأليبهم على حزب الله وتحميله مسؤولية أي أذيّة تنوي الإدارة الأميركية توجيهها للبنان مستقبلاً، بذريعة عدم مواجهة الدولة اللبنانية والقوى السياسية للحزب. وهي سياسة الحرب ذاتها التي ينتهجها الأميركيون منذ سنوات طويلة، من النصف مليار دولار التي دفعها جيفري فيلتمان لتشويه سمعة المقاومة، إلى حرب تمّوز والحرب على سوريا، ثمّ الحرب الاقتصادية الجديدة بعد فشل المواجهة المسلّحة.
بدأ بيلينغسليا خطابه الناري أمام جمعية المصارف، بوضع احتمال أن يحصل حزب الله على وزارة الصّحة (سبق الاجتماع إعلان تشكيل الحكومة)، مشيراً إلى أن «حزب الله لديه شحّ مالي موثّق لدينا، وفاتورة صحيّة كبيرة لا تُحتمل من القتلى (الشهداء) والجرحى وأولادهم، وحصوله على وزارة الصّحة هو الطريقة الوحيدة لتعويض خسائره». ولكي يقطع الطريق على أي إصلاح ينوي الحزب إدخاله على وزارة الصّحة وملفّ الدواء كما يخطّط ويحضّر منذ مدّة، ادّعى بيلينغسليا أن «الحزب سيُغرق لبنان بالأدوية الإيرانية» متوجهاً إلى الحاضرين بالقول: «كلّكم تعرفون فعاليتها ومدة صلاحيتها والمال الذي يرغب أن يجنيه الحزب من ورائها»! وأضاف بلهجة المستهزئ ونبرة قاسية: «بشكل عام، نحن عرفنا نحو 90% من الخيارات الوزارية والأسماء المطروحة... إن بعض أسماء الوزراء مثير للشفقة (مستخدماً مصطلح pathetic بالإنكليزية)!
ولم يكتفِ مساعد وزير الخزانة بهذه الإهانات، بل كشف أنه «خلال العام الحالي، هناك أولويّة مطلقة وقصوى في وزارة الخزانة وفي وزارة الخارجية بتعليمات من الرئيس دونالد ترامب أن نراقب كل حركة يقوم بها ليس فقط حزب الله، لكن لبنان ككلّ وسنركز على كل شاردة وواردة في هذا البلد».
وفيما أنّب الحاضرين مدعّياً وجود معلومات لديه عن أن المصارف لا تزال تتعاون مع حزب الله ومع حسابات وهميّة، مطالباً المصارف ليس فقط بتجميد الحسابات «المشبوهة» إنّما بمصادرة الأموال منها، قال بيلينغسليا: «نحن نرى ماذا تعملون أنتم اللبنانيون لمنع حزب الله من اختطافكم (لا تفعلون شيئاً)!» مستخدماً تعبيراً أميركياً سوقيّاً «we can see what the f..k you Lebanese are doing to prevent Hezaballah from kidnapping you». وأضاف: «نحن نعرف ماذا يحصل ومن يموّل، وهناك خمسة متموّلين لبنانيين مغتربين نعرف ماذا يفعل كل واحد منهم في دعم حزب الله»، مسمّياً قنصلاً لبنانياً في إحدى الدول الأفريقية، مدّعياً أن الأخير «كان يحضر النساء لزعماء الأفارقة، والآن هناك تحوّل أخلاقي كبير طرأ عليه وبات يموّل حزب الله».

استخدم بيلينغسليا مصطلحات سوقية وشتائم ووجه إهانات إلى وزراء في الحكومة


وختم مساعد وزير الخزانة بتأكيد أن «الأميركيين سياسيون» لذلك فإن «التسوية بين أميركا وإيران ستحصل... لأن وضعهم (الإيرانيين) على رغم كل الادعاءات لم يعد محمولاً، وعلى الأرجح أن التسوية ستحصل بشروطنا».
هذا المسؤول الأميركي يدور على المسؤولين ويهدّد ويتطاول على دولة ذات سيادة، من دون أن يحرّك أحد ساكناً، أو أن تستدعي وزارة الخارجية السفيرة الأميركية وتحتج على خروجه عن اللياقات السياسية والدبلوماسية وتدخّله في الشؤون اللبنانية، أو ببساطة تطالبه بالرحيل، لا سيّما أن هذا السلوك هو بالضبط ما وصفه الرئيس ميشال عون في نهاية تشرين الأول الماضي، حين وصف العقوبات والسياسة المالية والمصرفية الأميركية بـ«الاستعمار المالي»!
مساء أمس، تابعت الخارجية الأميركية هجومها على لبنان، وأصدرت بياناً عبّرت فيها عن «قلقها» من «تبوّء حزب الله مناصب وزارية، وسُمح له بأن يسمّي وزير الصّحة»، وطالب البيان الحكومة الجديدة بأن «لا تسمح لحزب الله بالاستفادة من مقدّرات الوزارات». ودعا البيان الحكومة الجديدة في لبنان لـ«الالتزام بالنأي بالنفس عن أزمات المنطقة، والإيفاء بالالتزامات الدولية بما فيها قرارا مجلس الأمن الدولي 1559 و1701».