تعكُس كُتلة «المُستقبل» الوزارية في الحكومة الجديدة، الصورة التي يُريدها الرئيس سعد الحريري لتياره وللمرحلة المُقبلة التي يتحضّر لها. هذه الكتلة التي تضم عملياً ٣ وزراء إلى جانب الحريري تُشكّل فريق عمل لمشروع يحمِل عنوانين رئيسيين:

الأول، استكمال «تنظيف» الساحة المستقبلية من أي شخصية ذات ثقل سياسي أو شعبي. والثاني، والأهم، فهو تحصيل ما أمكن من المشاريع الاستثمارية بفعل الأموال التي ستدخل إلى البلاد من مؤتمر «سيدر». ليسَ تفصيلاً أن يُسلّم رئيس تيار المستقبل أهم وزارتين حصل عليهما في الحكومة إلى رئيس الهيئات الاقتصادية محمد شقير (الاتصالات)، ووزيرة المال السابقة ريا الحسن (الداخلية)، من دون أي مراعاة لحيثية الوزراء المختارين ولا ما يُسمى «التوزيع العادل» للوزارات على المناطق. وهو ما يؤكّد بأن رئيس تيار المُستقبل لم يعُد يحتاج إلى وجوه تخوض معاركَ سياسية، بل إلى «وحوش» في الاقتصاد تعرِف من أين «تؤكَل» المشاريع والاستثمارات. وفي الوقت عينه، لا تملِك أي طموحات في الزعامة. لكن لماذا وقَع الاختيار على شقير والحسن، وأعاد الحريري تسمية جمال الجراح ليكون وزيراً للإعلام؟ لكلّ من هؤلاء الثلاثة بحسب العارفين في تيار «المستقبل» أسباب دفعت برئيس الحكومة إلى تعنييه.
لا شكّ في أن لشقير والحسن «ظروفاً مختلفة كلياً عن تلك التي تُحيط بالجراح». إذ يقترن اسماهما بكل ما له علاقة بالاقتصاد والأعمال والمال. وما يميّزهما عن وزير البقاع الغربي، صفات يرى فيها الحريري «ميزات» تخدم خطة المرحلة. فهما عدا عن كونهما ضليعين في الملفات المالية والاقتصادية، يشتهران «بطحشتهما نحو تأييد الخصخصة تحت عنوان الشراكة بين القطاعين العام والخاص». حتّى إن «شقير يُعرف عنه بأنه من الأشخاص الذين لا يقيمون أي اعتبار للقطاع العام، لا بل يتصرّف بعدائية تجاهه». وبما أن هذه الفكرة تأتي في صلب الشروط التي نصّ عليها مؤتمر «سيدر»، فليسَ هناك أفضل من الوزيرين الجديدين ليكونا في خدمة المشاريع التي يتحضر رجال أعمال لأن يكونوا شركاء فيها. كذلك فإن فتح أي معركة حول الخروج من الأزمة المالية - الاقتصادية في البلاد، سيضع الفريق الذي يمثله الحريري (طبقة أصحاب المصارف وكبار المودعين...) في حالة دفاعية تستدعي وجود «صقور اقتصاديين» كشقير والحسن للدفاع عن مصالح هذه الطبقة، إضافة إلى الجراح الذي كان أحد «الناطقين باسم الرئيس السابق للحكومة فؤاد السنيورة»، في النقاشات المالية - الاقتصادية التي كان يشهدها المجلس النيابي.
كذلك يُعدّ شقير والحسن بالنسبة إلى الحريري شخصيات وزارية مضمونة. فهما مطواعان، ولديهما التزام كبير بـ«زعامة الرئيس سعد الحريري». ومن المؤّكد أنهما ليسا في وارد «فتح قنوات اتصال رئيسية أو موازية له». وطبعاً لا يملك أي منهما مشروع أو طموح يجعلهما يغردان خارج السرب، كما فعل الوزير السابق أشرف ريفي.

لعب شقير أدواراً في السابق تتناسب والأجندة السعودية


لكن شقير يتقدّم على الحسن بنقطتين تذكرهما أوساط «المستقبل»: الأولى أنه رجل أعمال معروف، وليسَ مجرّد موظف عندَ الفريق الحريري. وهو من الأشخاص الموضوعين على سكّة التدرج ليعلب دوراً أساسياً في تيار المستقبل لاحقاً. كما إن شقير «يحظى برضى سعودي، وقد لعب أدواراً في السابق تتناسب والأجندة السعودية في البلد، من خلال تحركاته وخطاباته تحت ستار الهيئات الاقتصادية». أما الحسن، فتبقى موظفة أمينة ودقيقة، ومجيئها إلى وزارة الداخلية ليسَ سوى تنصيب شكلي في ظل ما يُحكى عن أن فريق عملها في الوزارة في غالبيته سيختاره الرئيس الحريري.
أما بالنسبة للجراح فلم يكُن اختياره بالنسبة للحريري ترفاً. في الأيام السابقة لإعلان الحكومة، صار رئيس «المستقبل» مجبراً على توزيره للمرة الثانية بعدَ أن حظي الوزير حسن مراد بتوافق اللقاء التشاوري ليكون ممثله في الحكومة. هنا حضر البقاع الغربي في ذهن الحريري، فلم يعُد يستطيع أن يترك الساحة خالية لمراد ووالده النائب عبد الرحيم من دون مقارعة. هذا مع العلم أن رئيس الحكومة كان حاسماً أمر توزير الجراح، منذ الانتخابات النيابية.
هذه التركيبة الوزارية الجديدة لا شك في أنها ستفتح أبواب الاعتراضات داخل تيار «المستقبل». حصة الشمال وحدها ستكون فتيل انفجار بينه وبين عدد من المسؤولين، بعدَ استبعادهم لمصلحة الخصوم. لقد أخرج الحريري من الحكومات الماضية ثلاث شخصيات هي نهاد المشنوق وأشرف ريفي ومعين المرعبي، وأدخل مكانهم إلى حكومته الجديدة وزيرا لمحمد الصفدي وآخر للرئيس نجيب ميقاتي، مما يشي بمرحلة معارك حامية بينه وبين «صقوره» القدامى في بيروت والشمال. فهل ينصاعون له مرة جديدة، بعدَ أن وضعهم على الرفوف؟