لا تختصر حياة ماهر اليماني (1949 - 2019)، حكاية مناضلٍ متقّدٍ من إيمان كلّي بالكفاح المسلّح ضد العدوّ الإسرائيلي، في فلسطين وخارجها، وحسب. بل يمكن البناء على سيرة ماهر، ومكتنزاتها في مسار الصراع، لدراسة تطوّر مراحل المسألة الفلسطينية وآليات مواجهة الاحتلال المستمر، انطلاقاً من تجربته الشخصية، بصفته واحداً من أبرز أبطال جيل «العمل الخارجي»، وحارس من حرّاس القضيّة القلائل.

ولم يكن ماهر، طالب البكالوريا في طرابلس، ليطمح أكثر من الالتحام مع جنود الاحتلال في الضّفة الغربية أو في الجليل، حين «اتفق» عليه شقيقه المناضل والقيادي الرّفيع في الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين أحمد اليماني (أبو ماهر) والشهيد وديع حّداد، وأرسلاه إلى اليونان عام 1968، لتنفيذ واحدةٍ من أبرز عمليّات «الفرع الخارجي» ضد طائرة العال الإسرائيلية. نفّذ ماهر مهمّته بدقّة، وفجّر الطائرة من دون أذيّة أي مدني وسلّم نفسه للشرطة اليونانية طواعيةً. حتى في داخل السجن اليوناني، تلا تحت التعذيب القاسي، بمهارة، ما لقّنه إياه حداد، ثم ما لبث أن عاد إلى الميدان بعد الإفراج عنه من ضمن صفقة تبادل.
وقع ماهر بعدها في غواية الكفاح المسلّح. فحين حاول الشهيد غسّان كنفاني، استمالته و«تثقيفه» كما يقول، لما وجده فيه من حبّ للمعرفة وتوقٍ للكتابة، هرب ملتحقاً بالجهاز الأمني، وبقي فيه سنوات طويلة، قبل أن يصير السكرتير الخاص للأمين العام للجبهة الشعبية جورج حبش حتى الاجتياح الإسرائيلي في العام 1982. إلا أن الرصاص والقنابل والعبوات الناسفة، شكّلت بالنسبة له، وسيلةً لا غاية لقضيّة سامية، تسقط إذا تجرّدت من أخلاقها، أو أصيبت بعدوى «الأمن للأمن» أو الارتزاق.
ومن 1970، وحتى خروج منظمة التحرير الفلسطينية من بيروت في 1982، انخرط ماهر في نشاطٍ عسكري وأمني كثيف، فشارك في عملية خطف الطائرات الأميركية والسويسرية والبريطانية وإنزالها في «مطار الثورة» في الأردن، وقارع جنود الاحتلال الإسرائيلي في بنت جبيل وصور.
عاش وديع حدّاد في وجدان ماهر منذ لقائهما الأول. ومع أنه استكان لحكمة جورج حبش، لكنّه بقي مهجوساً بعقل وديع حداد وعزيمته على الخروج عن سلطة التدجين. ظلّ «جنون» وديع المعيار الذي يرى منه ماهر كيفية منع العدو من السيطرة على الرأي العام العالمي، الأوروبي تحديداً، وكيفية المواءمة بين ضرب العدو في خارج فلسطين والحفاظ على صورة «المقاومة العادلة» من دون تلطيخ بسقوط أخلاقي أو قتل عشوائي. وحين خفت نجم الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، لم يخفت نجم ماهر بين جيلٍ كاملٍ من الشباب، لبنانيين وفلسطينيين وسوريين وعرب وأجانب في داخل فلسطين وخارجها. بل بقي ملهماً، متكلّماً كثير الصمت، يختار ملاحظاته بدقّة، ويقدّم آراءه بتأنٍ. واكب ماهر تطوّر عمل المقاومة المسلّحة، في لبنان وفلسطين، فكان يحرص دائماً على المواءمة بين خبرة العصر الذهبي للعمل الخارجي، وتطوّر العمل العسكري للمقاومة اللبنانية على وجه الخصوص. وبقدر تعبه من الانحدار الفلسطيني منذ ما بعد أوسلو، وصولاً إلى صفقة القرن، كان ماهر يعرف كيف يضيء الشعلة في قلوب مريديه، موجّهاً إياهم نحو الإيمان بالقوّة المسلّحة. فكلّما غرق المتآمرون بالتسويات المذلّة، كلما كان ماهر متأكّداً من أن «العمل الخارجي» والعمل الأمني في داخل فلسطين المحتلة سيصبح نموذجاً لمستقبل الصراع.

كان ماهر متأكّداً من أن «العمل الخارجي» والعمل الأمني في فلسطين سيصبح نموذجاً لمستقبل الصراع


وفي سنواته الأخيرة، واكب اليماني تطوّر التكنولوجيا ودورها في الحروب. ومع أنه لم يستسغ إلّا مؤخّراً الهواتف الذكيّة، معتبراً إياها «جاسوساً في جيبه» كما يقول، إلّا أن هذا التطوّر شكّل بالنسبة إليه، عاملاً مهمّاً في مسار الصّراع، يمكن تسخيره إذا ترافق مع الإيمان، لضرب العدو بأدواته.
آلمت الحرب السورية ماهر اليماني كثيراً، وهو الذي بقي في دمشق مع مجموعة من «الشعبية»، بعد المراجعة السياسية التي أجريت في التسعينيات. بكى مرّةً بعد زيارته مخيّم اليرموك قرب دمشق، ومرّةً حين استشهد صديقه أدونيس نصر. وفي العام 2015، كان كثير التردد إلى معسكر للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين في درعا، فأتته نصائح من أصدقائه بالتوقّف عن هذه الزيارات الخطرة، خصوصاً أن المجموعات المسلحة كانت قد وصلت إلى نقاط قريبة من المعسكر وتقيم حواجز طيّارة على الطرقات الواصلة إليه، إلّا أنه لم يأبه للنصائح، وبقي على خطّته، بزيارة رفاقه هناك والاطمئنان إليهم.
قبل نحو أسبوعين، كان ماهر شاباً مرحاً متماسكاً، في جسدٍ سبعيني نحيل، هدّه السرطان! قال إن سقوط التنظيمات الفلسطينية والعربية واليسارية عموماً، يعطي الهامش للأفراد والمجموعات الصغيرة لمنع إسرائيل من الاستقرار، وهؤلاء لا مال يغريهم ولا مواكب ولا سيارات يخافون عليها، وأن أزمة إسرائيل مع الأفراد ستكون أشدّ عمقاً من أزمتها مع التنظيمات التي تتحوّل إلى هياكل ذات مصالح كلّما مرّ عليها الزمن.
رحيل ماهر اليماني، إعلانٌ عن نهاية مرحلة، كان هو، بقيادة وديع حدّاد وكمال خير بك وآخرين، أحد أبرز ملامحها. غيابه السريع عصف بأقاربه وأصدقائه ورفاقه. لكن التراب الذي أسدل على جسده في مقبرة الشهداء في بيروت أمس، لا يختم سيرة ماهر.