بمعزل عن شعارات مكافحة الفساد المرفوعة اليوم، فإن القوى السياسية التي تعاقبت على السلطتين التنفيذية والتشريعية، منذ مطلع التسعينيات إلى اليوم، تضامنت فيما بينها من أجل تمييع مسألة المساءلة والمحاسبة على الإنفاق والجباية. في حكومة الرئيس فؤاد السنيورة (2005 - 2008)، كان الإنفاق يجري بالاستناد إلى توسيع الإنفاق وفق القاعدة الاثني عشرية، وبالاستناد إلى مشاريع الموازنة التي أقرّها مجلس الوزراء، بحجة أن مجلس النواب مقفل. وعندما فتح مجلس النواب، أقرّ الإنفاق بالاستناد إلى آلية الاعتمادات الإضافية التي لا تختلف بآلياتها ونتائجها عن السابق. الإنفاق استمرّ وفق النهج نفسه بلا مساءلة وبلا محاسبة.

في 28 كانون الثاني 2019، قدّم النائب ياسين جابر اقتراح قانون معجل مكرّر إلى مجلس النواب، يطلب منه الإجازة للحكومة اعتماد القاعدة الاثني عشرية لغاية صدور قانون موازنة 2019 في صرف النفقات وجباية الواردات. الأسباب الموجبة لهذا الاقتراح أنه يستند إلى عدم إحالة مشروع موازنة 2019 على المجلس النيابي، في ضوء نفاذ مهلة تطبيق القاعدة الاثني عشرية في نهاية شهر كانون الثاني.
بحجّة أنْ لا خيار آخر لقوننة الإنفاق والجباية، يتوقع إقرار هذا القانون سريعاً كما أقرّت الصيغ المتعدّدة منه في السنوات الماضية. فعلى أكثر من 25 عاماً، كانت السلطة تواصل الإنفاق والجباية بالاستناد إلى هذه «الإجازة» من دون أي قطع حساب، أي بما يخالف المادة 87 من الدستور التي تنص على «أن حسابات الإدارة المالية النهائية لكل سنة يجب أن تعرض على المجلس ليوافق عليها قبل نشر موازنة السنة الثانية التي تلي تلك السنة...». اللافت أنه طوال هذه السنوات كانت هذه «الإجازة» تصدر بأكثر من صيغة.
ثمة بداية لكل هذه المسألة. بعد نهاية الحرب الأهلية، عادت الدولة إلى إعداد الموازنات وإقرارها. واجهت مشكلة تتعلق بميزان الدخول، أي رصيد الخزينة الذي تبدأ منه أعمال السنة التالية. قرّرت أن تصفّر الحساب ورقياً بموجب المادة 23 من قانون موازنة 1995. اختلّ الميزان بين الواقع وبين القرارات. راكمت السلطة فوقه اختلالات إضافية، فلم تكن تصدر الموازنات في أوقاتها المنصوص عليها في الدستور، ولم يكن يصدر قطع الحساب، وبالتالي لم يكن هناك تدقيق في الحسابات ولا أي مساءلة أو محاسبة.
حاولت قوى السلطة تشريع هذا الواقع، من خلال أمرين: إصدار قانون يمدّد مهلة تطبيق القاعدة الاثني عشرية ضمن مهلة زمنية مفتوحة. إصدار قانون يصرف النظر نهائياً عن إعداد حسابات المهمة وقطع الحساب لعامي 1991 و1992، وربط إعداد ميزان الدخول للسنوات التالية بآلية تصدر عن وزير المال ورئيس ديوان المحاسبة لإقفال الفروقات وتصفيتها ضمن مهلة 10 سنوات. حتى اليوم، لم تصدر هذه الآلية. أما ديوان المحاسبة، فقد عمد إلى وقف التدقيق بالحسابات واعتبرها غير مكتملة (في إحدى السنوات تلقى الديوان حساب المصرف ثلاث مرّات، وفي كل مرّة كان رصيد الحساب مختلفاً عن النسخة الأخرى)، قبل أن يتوقف في عام 2004 عن استقبال قطع الحساب، على اعتبار أن ما بُني على خطأ، هو خطأ.

الإنفاق على أساس القاعدة الاثني عشرية توسّع زمنياً ومالياً


في النتيجة، لم تدقَّق حسابات الدولة، ما شكّل عقبة أمام إقرار الموازنات. هذا الربط منصوص عليه في الدستور في المادة 87 . بالتوازي، مجلس النواب أقرّ الموازنات حتى 2005 «مبدئياً» ومع حفظ حق ديوان المحاسبة بإجراء الرقابة على حسابات السنوات الماضية لاحقاً.
وفي شباط عام 2006، أثناء مناقشة مشروع قانون موازنة 2005، أقرّ القانون 717 الذي يجيز للحكومة اعتباراً من أول شباط ولغاية صدور قانون موازنة 2006 جباية الواردات، كما في السابق، وصرف النفقات على أساس القاعدة الاثني عشرية… توسيع القاعدة الاثني عشرية بمهلة زمنية مفتوحة، استمرّ في السنوات اللاحقة بالتوازي مع تجاوز إضافي يتعلق بمنح وزير المال قرارات من مجلس الوزراء تجيز له صرف مبالغ إضافية بالاستناد إلى اعتمادات ملحوظة في مشاريع الموازنات التي وافق عليها مجلس الوزراء. لاحقاً، ظهرت بدعة جديدة لقوننة هذا التوسّع في الإنفاق بلا موازنة وبلا حسابات وبلا رقابة. استمرّ هذا الأمر رغم إقرار موازنتي 2017 و2018 لأنهما أقرّتا في خارج الموعد الزمني المحدّد لهما دستورياً. واللافت أن الحسابات المالية لم تكن قد صدرت بعد، رغم أن الدستور ينصّ على أنه لا يمكن إقرار الموازنة من دون هذه الحسابات. جرى التحايل على هذا الأمر من خلال قانون ملحق بالموازنة يتيح إقرار موازنة 2017 من دون إنجاز قطع الحساب، ومدّد العمل بها أثناء إقرار موازنة 2018، إلى أن أصبحنا اليوم في شهر آذار من دون أن تقرّ موازنة 2019.



مهلة 10 سنوات لإنجاز الحسابات!
صدرت المادة 23 في موازنة 2005 ونصّت على أنه «خلافاً لأحكام المادة 195 من قانون المحاسبة العمومية، يصرف النظر نهائياً عن إعداد حساب مهمة المحتسبين المركزيين وحساب المهمة العام وقطع حساب الموازنة العامة والموازنات الملحقة للسنتين 1991 و1992. ويمارس ديوان المحاسبة رقابته على الحسابات اعتباراً من حساب السنة 1993».
كذلك نصت الفقرة الثانية من هذه المادة على أن «يفتح في لائحة الحسابات، «حساب مؤقت للتسوية» لمعالجة مسألة ميزان الخروج والدخول للحسابات المنظمة وفق لائحة الحسابات القديمة، والفروقات في الحسابات والقيود، من أي نوع كانت. يصار إلى تصفية هذا الحساب تدريجياً، على أن يقفل نهائياً في مهلة أقصاها عشر سنوات بعد آخر حساب ينظم وفق لائحة الحسابات القديمة. تحدد دقائق تطبيق هذه المادة بقرار مشترك يصدر عن وزير المالية ورئيس ديوان المحاسبة».