لم يسلَم «بنك ميد» من تهاوي إمبراطورية الحريري المالية. منذ نهاية الثمانينيات كان رفيق الحريري مسيطراً على المصرف. اليوم بات لدى وريثه سعد شريكان. تخلّى شقيقه أيمن عن حصّته الوازنة لعلاء الخواجة (رجل الأعمال الأردني وحامل الجنسية اللبنانية منذ بضع سنوات)، وأخيراً استحواذ شركاء الخواجة ريمون وتيدي رحمة، على حصّة في رأس المال. يُقال إن أسهم الحريري مرهونة أيضاً. معاناة «بنك ميد» لم تقتصر على هذا الجانب، فرغم أن حاكم مصرف لبنان أغدق عليه بالأرباح من المال العام، لم يُفلح المصرف في الخروج من أزمته. هكذا تقرّر إعادة هيكلته. بموجب هذه العملية تم تعيين راوول نعمة مديراً تنفيذياً في المصرف، وانغمس هذا الأخير في صرف الموظفين و«شدشدة» بنيَة التسليفات والودائع، وتسييل محفظة الاستثمارات والعقارات المستردّة مقابل الديون المتعثّرة.

مع اكتمال عملية زيادة رأس المال قريباً، يصبح تيدي رحمة وشقيقه ريمون، مساهمَين في مجموعة البحر المتوسط التي تملك «بنك ميد». سيضخّ الشقيقان نحو 100 مليون دولار في رأس المال ويستحوذان في المقابل على حصّة تصل إلى 9.9%. وبذلك تتدنّى حصّة كلٍّ من سعد الحريري من 42.23% إلى 38.04%، وعلاء الخواجة من 42.24% إلى 38.05%، ونازك الحريري من 15.571% إلى 14%.
في آذار 2017 استحوذ رجل الأعمال علاء الخواجة عبر مجموعته OLT Holding، على أسهم أيمن الحريري التي كانت توازي بحجمها أسهم شقيقه سعد في مجموعة البحر المتوسط. الخواجة الذي تنشغل الأوساط السياسيّة والتجارية في لبنان باسمه وتسأل عن كيفيّة بروزه بقوّة وحجم ثروته وهوية من يعمل معه، صار عملياً أوّل شريك لورثة رفيق الحريري في مجموعة البحر المتوسط، مذ اشترى رفيق الحريري المصرف في الثمانينيات. بعد سنتين، صار للحريري شريك ثالث: الشقيقان رحمة. هما يتشاركان مع الخواجة أعمالاً واستثمارات في لبنان، واستحوذا على حصّة وازنة في المجموعة من خلال الاستحواذ على كامل زيادة رأس المال التي تنفّذها المجموعة.
الخواجة كان قد دخل أيضاً على مجموعة الحريري من خلال شراء شركة «أوجيه إنترناشيونال» في فرنسا. كما صار مساهماً رئيسياً في شركة اشترت أكبر عقارات العائلة في كفرفالوس شرق صيدا، وله أسهم في شركات كان للحريري ورجاله الحصة الوازنة فيها، بالإضافة إلى حصته الكبيرة في مشاريع إنتاج الطاقة في دير عمار وطاقة الرياح في عكار.
دخول الخواجة والشقيقين رحمة، يعكس حجم الأزمة التي ضربت المجموعة المصرفية بعد تهاوي شركات الحريري وأبرزها «سعودي أوجيه». فهذه المجموعة المصرفية التي كانت تصنّف في المرتبة السابعة لجهة ترتيب الأصول بين مصارف «ألفا» وفي المرتبة السادسة لجهة ترتيب الودائع بين مصارف «ألفا»، كادت أن تتهاوى مثلها مثل شركات الحريري التي سقطت قبل سنوات وأبرزها «سعودي أوجيه». فقد ظهرت في ميزانيتها اختلالات بنيوية بالتوازي مع بدء انهيار شركات الحريري نظراً للترابط العميق بينها. وبحسب المستندات الموثّقة، فإن قيمة الديون المتعثرة في «البحر المتوسط» بلغت 461.5 مليون دولار في 2017، منها 134.4 مليون دولار تسليفات مُنحت لمقاولين من الباطن مع شركة «سعودي أوجيه»، و127.2 مليون دولار تسليفات مُنحت لشركة AGE، و56.1 مليون دولار تسليفات مُنحت لشركة BEATA، و39.8 مليون دولار تسليفات مُنحت لشركة OTAS، و95 مليون دولار هي عبارة عن خسائر عملاء المصرف الناتجة عن إعادة جدولة ديون شركة CELL C.
في تلك السنة، أي 2017، كانت محفظة تسليفات «البحر المتوسط» للقطاع الخاص تصل إلى 4.4 مليار دولار، وكانت أرباحه تبلغ 120 مليون دولار (الجزء الأكبر من هذه الأرباح ناتج من توظيف الأموال في سندات الدين الحكومية وشهادات إيداع مصرف لبنان). لذا، فإن الديون غير العاملة (المتعثّرة) البالغة 990 مليار ليرة (656 مليون دولار)، كانت ستأكل أرباح 3 سنوات و9 أشهر بالكامل، وهي تشكّل 14.7% من محفظة التسليفات، وهذا معدّل مرتفع جداً قياساً على معدل الديون المتعثّرة في القطاع المصرفي.

461 مليون دولار ديون متعثّرة من أربع شركات تابعة لـ«أوجيه تيليكوم»


كان واضحاً الترابط التمويلي بين البحر المتوسط وتساقط الشركات التي ورثها سعد الحريري عن أبيه. فالشركات الأربع المذكورة أعلاه هي شركات تأسست على يد الأب لتقوم بأعمال مختلفة في قطاع الاتصالات. BEATA holdings وAGE LTD هما من الشركات المساهمة في «أوجيه تيليكوم» وفق بيانات بورصة دبي المنشورة على موقعها الإلكتروني. أما OTAS فهي شركة مملوكة من شركة «أوجيه تيليكوم» وتعمل في تركيا وترتبت عليها ديون هائلة أعيدت جدولتها أكثر من مرّة من دون أن تتمكن من إيفائها. وCELL C هي الشركة التي أسّسها رفيق الحريري في 2001 وتملكت شبكة خلوية في جنوب أفريقيا وكانت مملوكة بنسبة 75% من «أوجيه تيليكوم» قبل إعادة هيكلة هذه الأخيرة.
في الواقع، كانت مجموعة البحر المتوسط التي تملك «بنك ميد»، هي الذراع التمويلية لشركات الحريري الأب. عبرها تمّت الصفقات الكبرى. فهذا المصرف حصل منه الحريري الأب على أول كفالة لالتزاماته في السعودية، ثم اشتراه بعدما عرضه جوزف الخوري للبيع. وهذه المجموعة كانت لديها شركة شقيقة هي «عقارية البحر المتوسط» التي اقتصر عملها على تملّك العقارات التي يتخلف أصحابها عن سداد ديونهم للمجموعة. ومن ضمن موجوداتها، كانت «عقارية البحر المتوسط» تملك عقارات الرملة البيضا (المسبح الشعبي) والتي أُثيرت حولها ضجّة كبيرة في السنوات الماضية بعدما اشتراها رجل الأعمال وسام عاشور. وبتمويل من «بنك ميد» اشترى الحريري الأب حصّة وازنة في البنك العربي (بيعت قبل سنتين)، بالإضافة إلى ثلث بنك الاستثمار السعودي. كذلك جرى تمويل تأسيس CELL C. وتملّك عبر المجموعة قصر قريطم. هذا العقار كان معروفاً باسم قصر صالحة، إلا أن أبناء رجل الأعمال نجيب صالحة كانوا مدينين لمجموعة البحر المتوسط بمبالغ كبيرة مقابل رهن، وعندما تخلّفوا عن السداد أُبرمت صفقة استرداد القصر وبقيت حصّة في أسهم فندق فينيسيا مرهونة للمجموعة أو «بنك ميد».