أمر طبيعي أن تحتفل الأحزاب بفوزها بمقاعد نيابية... إلا في دائرة بيروت الأولى. هناك، كان الفوز بطعم المرارة، ولم يزد الأحزاب والنواب الا إحباطاً. خذلت الأشرفية الكلّ، فائزين وخاسرين. وعلى مرمى سنة من انتهاء الانتخابات، لا تزال الصدمة تعيق قدرة الجميع عن الحركة.

وقع الخسارة الكبرى، بمفعول النظام النسبي، حلّ على النائب ميشال فرعون، نائب الأشرفية بين 1996 و2018، إذ لم يشكّل له ترشحه على لائحة القوات اللبنانية أي إضافة. نيابة فرعون على مدى أكثر من عقدين لم تكن فقط بفضل المحادل السياسية. فالرجل ينشط منذ سنوات عبر مكتب خدماتي كبير يؤمن للناخبين كل ما «تعجز» الدولة عن تأمينه، بما فيها البطاقة الصحية لعدد من أبناء المنطقة. وبصرف النظر عن أن وتيرة عمل المكتب عادة ما كانت تعلو قبيل الانتخابات وتنخفض تدريجياً بعدها، بقي فرعون في غياب أي منافسة فعلية، النائب الخدماتي الأبرز في هذه الدائرة. إلا أن ذلك لم يُترجم أصواتاً كافية للنجاح، ما شكّل صدمة للنائب السابق عن المقعد الكاثوليكي، لا سيما أن ناخبيه المشتركين مع كل من القوات والكتائب ورئيس مجلس إدارة مصرف «سوسييتيه جنرال» أنطون صحناوي، عادوا الى أحضان مرجعياتهم. مكتب فرعون اليوم شبه مقفل، بعدما تيقن من عدم جدوى فتحه إلا قبيل فترة وجيزة من الانتخابات، على ما تقول مصادر مقرّبة منه. «فما يصرفه خلال أربع سنوات يمكن تركيزه في سنة واحدة لتكون فعاليته أكبر». رغم ذلك، فإن جولة في الأشرفية وبين أهاليها تؤكد أن أحداً لم يملأ فراغ فرعون. بيروت الأولى اليوم دائرة انتخابية يمثلها 8 نواب مع صفر خدمات. إذ لا خدمات حقيقية تقدمها أحزاب التيار الوطني الحر والقوات والكتائب

غياب التيار وتوقف ساعة القوات
للتيار الوطني الحر نائبان: نقولا صحناوي (المقعد الكاثوليكي) وأنطوان بانو (مقعد الأقليات). يعمل صحناوي في الدائرة منذ نحو 10 أعوام، الا أنه لا المكتب الانتخابي ولا وزارة الاتصالات أغنيا تجربته هناك. ربما يتعلق الأمر بطبعه الذي يميل الى التطورات التكنولوجية أكثر منه الى التفاعل اليومي والمباشر مع الناس. فغالباً ما يمكن رصده في «منطقة بيروت الرقمية»، لا كرم الزيتون. وفي المقابل، يُسجل نشاط لافت لبانو بين المخاتير والتجار والجمعيات والفاعليات، وداخل المجلس النيابي.

يتنافس ترزيان وياغوبيان على الحضور في الشارع والمجلس النيابي


أما قواتياً، فقد بيّنت نتائج الانتخابات عدم صحّة شعار «الأشرفية قوات» الذي اعتمدته الماكينة الاعلامية القواتية طوال سنوات حتى كادت تقنع كل اللبنانيين به. إذ حلّ النائب القواتي عماد واكيم في المرتبة الرابعة بين الفائزين. ماذا فعلت «القوات» منذ سنة لتدارك هذه الخسارة؟ «لا شيء»، يقول أحد المرشحين المستقلين القريبين من معراب. فالقوات، شأنها شأن فرعون، لم تتخطّ الصدمة الانتخابية بعد، فضلاً عن أن ساعة واكيم لا تزال تعمل وفق منصبه الحزبي كمسؤول في القوات عن منطقة الأشرفية، لا كنائب عن الدائرة. أحد المسؤولين القواتيين يلفت إلى أن تعيين نائب رئيس الحكومة غسان حاصباني، أخيراً، رئيساً لمجلس أمناء نادي الحكمة هدفه إعداده للانتخابات النيابية المقبلة بدلاً من واكيم بعدم أدركت القوات خطأ خيارها.

نديم الجميل لا الكتائب
الأشرفية ليست «قوات»، ولكنها ليست «كتائب» أيضاً. أساساً لا وجود لتنظيم كتائبي حزبي سوى الفريق الذي نظّمه النائب نديم الجميل. الأخير يغرّد بشكل مستقل في الدائرة. أسّس قبل سنوات جمعية «2020» التي تنظم دورياً أنشطة اجتماعية في أحياء مختلفة من الأشرفية، لا يفوّت أيّاً منها. وبالتالي، حضوره غير مرتبط بالكتائب كحزب، لا سيما أن خلافات تحكم علاقته برئيس الحزب سامي الجميل الذي يضيّق على ابن عمه في كل فرصة ممكنة. في الانتخابات النيابية السابقة، ذهب نديم الى تحالف مستقل مع القوات وأنطون صحناوي، وتمكن من حصد 4096 صوتاً تفضيلياً لأنه ابن بشير الجميل بالدرجة الأولى، وبفضل علاقاته الشخصية بالدرجة الثانية.
خلاصة الأمر في الأشرفية أن الاحزاب التي اكتشفت بعد الانتخابات أن الدائرة ليست «معقلاً» لأيّ منها، لم تخرج بعد نحو عام على الاستحقاق من الصدمة. فتركت الساحة شبه فارغة، ليحاول ملء الفراغ النائبان بولا يعقوبيان وهاغوب ترزيان. المنطقة التي لطالما كانت ساحة معركة المرشحين الأرثوذكس الأبرز، تحوّلت للمرة الأول ىساحة منافسة بين الأرثوذكس الأرمن. وهي سابقة في دائرة اعتاد أهلها غياباً كلياً للنواب الأرمن، وأبرز مثال على ذلك اليوم النائب عن مقعد الأرمن الكاثوليك ألكسندر ماطوسيان (مرشح حزب الطاشناق). المنافسة بين الخصمين (يعقوبيان وترزيان) تبدأ في الشارع وتنتقل الى البرلمان. فمنذ اليوم الأول لفوزهما، ينشط النائبان في المنطقة باستمرار كلّ على طريقته: آثرت الأولى التركيز على صورتها كمرشحة «المجتمع المدني». وهي تنشط كنائب «تقليدي»، اجتماعياً في الدائرة، وفي المجلس النيابي حيث تقدمت بأكثر من اقتراح قانون. فيما لا يزال الثاني، كما عندما كان عضواً في المجلس البلدي لبيروت، يتابع المهمات نفسها في الشارع، ومع المخاتير والتجار. وهو، كيعقوبيان، حاضر أيضاً في المجلس النيابي، ويعمل على اقتراحات عدة. ومع أنه أساساً مرشح الطاشناق، لكن نشاطه يبدو فردياً أكثر منه حزبياً، سواء في البلدية سابقاً أو في النيابة حالياً.



أنطون صحناوي يعلّق خدماته
بعد نشاط مستمر على مدى تسع سنوات، علّق رئيس مجلس إدارة سوسييتيه جنرال أنطون صحناوي كل التقديمات الاجتماعية التي كانت تتولى توزيعها 6 مكاتب خدمية تابعة له في دائرة بيروت الأولى، فور وصول مرشحه جان طالوزيان الى البرلمان. يوضح أحد المقربين من رجل الأعمال أن «نتيجة الانتخابات خيّبت آماله بعدما كان يتوقع، على الأقل، رقماً مضاعفاً للرقم الذي ناله طالوزيان (4166) ليثبت قدرته على نيل حاصلين انتخابيين يمكّنانه من حجز مقعدين له مستقبلاً». والواقع أن صحناوي لم يوضع يوماً تحت مجهر الناخبين، لكونه دأب على مساندة لائحة 14 آذار ودعمها مادياً من دون تبنّي ترشيح أحد. وبالتالي، فوجئ «بالتقرير الذي أعدّه فريقه بناءً على تشريح دقيق لكل قلم انتخابي، والذي بيّن أن الكثير من الناخبين الذين يستفيدون من تقديماته يقترعون لغيره». لذلك، «يجري إعادة هيكلة كاملة لكل مكاتبه وطريقة عملها وغربلة للناخبين الذي يقدم لهم الخدمات»، إضافة إلى أنه لم يخرج بعد من صدمة توقيف قريبه خليل صحناوي في قضية القرصنة الالكترونية الصيف الفائت.