منتصف نيسان المقبل، ينهي قانون السير الجديد عامه الرابع. كأنها أعوام لم تكن، إذ لا يزال القانون ينقصه «قانون» ليصبح... قانوناً! فحتى هذه اللحظات، لم تُفعّل منه سوى بنود قليلة، على رأسها تلك المتعلّقة بـ«الغرامات» التي تذهب إلى صناديق لا علاقة لها بالسلامة المرورية - وهذه حكاية أخرى. أما الهدف الأساس لوضع القانون، وهو إصلاح «القطاع»، فلم يتحقّق بعد. وبحسب أمين سر المجلس الوطني للسلامة المرورية (وهو الأصل في تطبيق سياسات السلامة المرورية)، الدكتور رمزي سلامة، يحتاج القانون - ليصبح نافذاً - إلى جملة من النصوص المعيارية (مراسيم وقرارات). يتحدّث سلامة - الذي يعمل منذ إطلاق المجلس وحيداً بلا موازنة ولا فريق عمل متخصص - عن بنود كثيرة غير قابلة للتطبيق «لأنه لم يصدر إلى الآن أي نصّ معياري يسيّرها». بحساب بسيط، يقول: «أحصيت النواقص فتبيّن أنها مش أقل من 120 نصاً». أما لماذا لم تصدر بعد؟ ثمة وجهتان للجواب، الأولى يختصرها سلامة «بغياب الموازنات اللازمة ومنها موازنة المجلس الذي يعمل اليوم بالمَوْنة والتطوع»، والثانية ما يقوله مدير الأكاديمية اللبنانية للسلامة المرورية كامل ابراهيم عن التراخي وتراجع مرتبة موضوع إدارة السير والسلامة بالنسبة للمعنيين. هو، باختصار، «مش أولويتهم».


لا جردة نهائية لقتلى الحوادث لتعدّد الجهات التي تُعنى بتسجيل الضحايا وغياب التنسيق بينها (مروان طحطح)

لكل هذه الأسباب، يفقد القانون روحه. منذ البداية لم «يُفكّر بكل مقومات تطبيقه»، يقول سلامة. إلى ذلك، يضاف العنصر المفقود في كل الحكاية: التنسيق، انطلاقاً من غرفة التحكم المروري وتشتتها بين هيئة إدارة سير المركبات الآلية وقوى الأمن الداخلي والغرف المستحدثة على «المقاس» لكل من بلدية بيروت وشركة «سوليدير» وشرطة بيروت، مروراً بداتا الاتصالات، وليس انتهاءً بوحدة المرور العالقة عند سؤال «من سيتولاها طائفياً؟»، بحسب ابراهيم.
أربع سنوات من «الوقت بدل الضائع» كان خلالها عدّاد الموتى «يلعب»، صعوداً وهبوطاً، «متل البورصة». صحيح أن أعداد ضحايا الحوادث ربما يتناقص (انخفض من 517 عام 2017 إلى 464 عام 2018)، إلا أن ذلك ليس معياراً علمياً يمكن الاستناد إليه للتأكيد على فعالية القانون، خصوصاً إذا ما أخذنا في الاعتبار أن عدد الحوادث لا يزال على حاله، إن لم يكن يتجه في أوقاتٍ كثيرة نحو الأعلى. فما بين 2017 والعام الماضي، زاد عدد الحوادث 230. ولئن كان هذا الرقم لا يعوّل عليه لقياس نسبة الزيادة، إلا أنه يدلّل على أن حال السلامة المرورية ليست بخير.

داتا «تقريبية» للموت
العام الماضي، سجّلت تقارير قوى الأمن الداخلي 464 وفاة بسبب حوادث السير. هذه ليست حصيلة نهائية. فثمة وفيات لا تُسجّل، خصوصاً تلك التي تقع في المناطق النائية. هؤلاء يموتون «قضاء وقدراً»، ولا يسجّل موتهم، إلا إذا كان العدد «محرزاً». يمكن الإشارة هنا إلى طرقاتٍ كثيرة في القرى يطلق عليها الساكنون بجوارها أسماء «طريق الموت»، منها مثلاً طريق نيحا البقاعية. هناك لا تسجّل الوفيات على أنها ناتجة عن حوادث السير إلا إذا تخطى العدد 3 قتلى!
لا جردة نهائية لقتلى الحوادث، أضف إلى ذلك أن ما من جهة واحدة تصدر مثل تلك التقارير. وإذا كان تقرير قوى الأمن الداخلي يتخذ صفة «الرسمية»، إلا أنه ليس الوحيد. ثمة جمعيات تعنى بتسجيل ضحايا حوادث السير تُصدر تقاريرها أيضاً. وإن كان هناك ما يمكن أن نستخلصه هنا، فهو عدم التنسيق بين الجهات المعنية. هكذا، تبقى الأرقام تقريبية. يحدث كل ذلك، في وقت ينص القانون «الجديد» على ضرورة إنشاء المرصد الوطني لجمع المعلومات الخاصة بحوادث السير (لا يزال «قيد الإنشاء»). وظيفة المرصد، المفترضة، العمل على جمع المعلومات من مصادرها، إن كان من محاضر القوى الأمنية أو من المستشفيات. هذا العمل ليس ترفاً. فأبسط الأمور أن تصبح «هناك داتا معلومات موثوقة ودقيقة»، بحسب ابراهيم. أما الهدف الآخر، فهو تأسيس دعائم السلامة العامة، إذ ليس المطلوب حصر عدد الأموات، بقدر ما هو مطلوب «تحديد النقاط السوداء، أي الأماكن التي تكثر فيها الحوادث وتحديد الأسباب للعمل على المعالجة ورسم السياسات الوطنية لتحسين السلامة المرورية»، بحسب سلامة.
اليوم، يمكن أن نعرف «كيف» مات كل هذا «الكم» من الناس، ولكن ما لا نعرفه هو «لماذا» ماتوا؟ في علم الحوادث، ثمة عوامل تؤدي إلى حصول الحادث، وعوامل أخرى تؤدي إلى حصول الوفاة. هذه النقطة الأخيرة هي صلب السلامة المرورية التي تتقاعس عنها الوزارات المعنية. فغالباً ما تكون أسباب الوفاة ناتجة عن الإهمال في صيانة الطرق، أو لعدم توافر عناصر السلامة على الطرقات، من مراعاة أمكنة وضع أعمدة الإنارة التي يفترض إبعادها 4 أمتار عن الطريق الرئيسية أو وضع العاكسات الضوئية والمونسات على جوانب الطرق، وهي من العوامل التي تجعل من الطريق طريقاً «متسامحاً».
ثمة جزء كبير يفرضه قانون السير للدراسات العلمية، وهو ما لا وجود له في الواقع، إما بسبب غياب التنسيق أو بسبب «تعطّل» المجلس الوطني للسلامة المرورية. في هذا الشق بالذات، لا يصلح القانون من دون شقّه «التنظيمي والتنفيذي»، وهو المجلس المولج بوضع السياسات العامة للسلامة المرورية. فرغم إطلاقه وتعيين أمين سر له، إلا أنه لا يزال من دون أجندة عمل فعلية بسبب «اللازمة نفسها»: غياب التمويل. بعد سنوات من الإطلاق، ينتظر أمين سر المجلس أن «يكون العام الحالي عام التأسيس، فقد رصدت لنا موازنة ولو كانت ليست على قدر التمني ولكنها على الأقل تسمح لنا بالبدء بنصف الطاقم المطلوب». هذا «النصف»، يستوجب بطبيعة الحال أن يغطي المجلس نصف المهمات: أي نصف الكادر البشري ونصف الأهداف المطلوبة وجزء من الدراسات التي يفترض أن يقوم بها. وهذه الأنصاف التي يفرضها «التقشف الحكومي» تعني، في أحسن الأحوال، «نصف تطبيق» للقانون.

مكننة… على الورق
في الغالب الأعم من القانون 243، كان ثمة تركيز على «المكننة». بالنسبة للقيمين على إعداد القانون، يعفي هذا الشق، لو طبّق، من «التحايلات» الكثيرة على القانون، بدءاً من تحرير محاضر الضبط وصولاً إلى رخص القيادة وما بينهما. لكنه، كما القانون، متوقف بسبب غياب الإمكانات. في هذا الشق مثلاً، يمكن الاستعانة بنموذج يختصر حال المكننة، وهو المتعلق بغرفة المحاضر الإلكترونية التي من شأنها حصر «الجهة» التي تحرّر محاضر الضبط من خلال ربطها بالرادارات والكاميرات على الطرقات الرئيسية. غير أن هذه الغرفة، التي يفترض أن تشكّل المركز التنسيقي بين الجهات المعنية، بإشراف قوى الأمن الداخلي «لم تيسّر أمورها إلى الآن»، بحسب مصادر مكتب العلاقات العامة في قوى الأمن. ولذلك أسباب، منها المرتبط بالأمور اللوجستية والتجهيزات التي تتطلب بعض الوقت، ومنها المرتبط بالميزانية والإمكانات. رغم تجهيز الغرفة بالحواسيب للعمل، إلا أنها لم «تمشِ»، وهو ما يستدعي السؤال عن فعاليتها اليوم. تلفت المصادر إلى أنها «تفي بالحاجة ويمكن تعديل بعضها، يعني فيه اشيا ممكن تنجاب لتحسينها». أما الشق الآخر، والذي يختصر النظام بجلّه، فهو قصة التنسيق بين الجهات المعنية، إذ تفترض هذه الأخيرة «التعاون بين مفارز السير ووزارة الاتصالات في ما يخص داتا المعلومات وبينها وبين هيئة إدارة سير المركبات الآلية، وهذا يستوجب الربط المعلوماتي في كافة المجالات، إن كان لعناوين المواطنين أو أرقام اللوحات والتشبيك بين كل الجهات التي تسجل محاضر، ولكنها تحتاج إلى وقت كي تتحضر متل كل شي بلبنان، مش يعني كبسنا زر الكومبيوتر ومشي الحال».
غالباً ما تكون أسباب الوفاة ناتجة عن عدم توافر عناصر السلامة على الطرق أو بسبب الإهمال في صيانتها


في غياب تلك الغرفة، لا يزال العمل على تحرير المحاضر يدوياً. وهذه تسجل بين «1000 و2000 محضر يومياً» هي في الغالب «محاضر سرعة أو عدم انتباه أو اتجاه عكس السير أو عدم وضع حزام الأمان». مع ذلك، تبقى مجرد غرامات بلا مفعول رادع. فما نفع تحضير عشرات محاضر السرعة لسائق أرعن من دون تطبيق نظام النقاط الذي ينص عليه القانون والذي يستوجب سحب رخصة القيادة منه بعد تخطيه عدد نقاط معين؟ لا شيء.
هي ليست أزمة نظام نقاط ولا رخصة سوق ممكننة ولا عنوان واضح يعفي صاحب المخالفة من التبلغ بها بعد أربع سنوات بسبب ضياع المسؤوليات، ولا هي أزمة مكاتب تعليم سوق تمنع الرشاوى والفساد تحويلها إلى مدارس. هي في الأصل أزمة الدولة التي صاغت قانوناً عصرياً لتطبّقه على واقعٍ مهترئ وفاسد. أربع سنوات لم تغيّر الفكر السائد عن قانون السير، ففي الوقت الذي كان مطلوباً من القانون توعية المواطنين وردعهم عن ارتكاب المخالفات والإصلاح «أخذ هذا الأخير منحى مرتبطاً بالعقاب». القانون أوسع من مجرّد «الالتزام بحزام الأمان وشنطة الإسعافات الأولية». هو أقرب للتعوّد على ثقافة جديدة، أبسط ما فيها أن تصبح إشارة المرور الحمراء كافية للتوقف.



عائدات الغرامات إلى الصناديق الخاصة
في موازنة العام الماضي، قدّرت «الدولية للمعلومات» قيمة عائدات غرامات السير بـ 38 ملياراً و800 مليون ليرة، بمعدّل يومي بلغ 106 ملايين ليرة. وأشارت الى أن بعض الغرامات التي فرضها قانون السير الجديد وصلت أحياناً الى نصف رواتب المخالفين. وهذا ما أتى بردّ فعل عكسي، إذ بات القانون، في هذا الشق بالذات، أشبه بقانون «خدمات». ومن ناحية أخرى، ضرب هذا «التضخّم» الهدف من تسجيل المخالفات، أي الردع، ما عزز «مكانة» الرشوة.
ماذا عن الأموال التي تجبيها الدولة بدل غرامات يرتكبها المواطنون وأين تذهب؟ برغم النصوص التي استقاها «صانعو» القانون الجديد من بلدان متقدّمة، إلا أنهم في الشق المتعلّق بالموارد الآتية من المخالفات لم يلحظوا ما يمكن أن يخدم السلامة المرورية. وللتوضيح أكثر، فنّدت المادة 401 من القانون الجهات التي تتقاسم تلك «البدلات»، بدءاً من صندوق الاحتياط في قوى الأمن الداخلي (25%) من حاصل كامل الغرامات، والبلديات (20%) وصندوق تعاضد القضاة (30%) من الغرامات المحصّلة بموجب أحكام قضائيّة، والصندوق التعاوني للمساعدين القضائيين (25%) من الغرامات المحصّلة بموجب الأحكام القضائيّة. أما النسب المتبقية فتحوّل إلى خزينة الدولة. هكذا، بدلاً من تخصيص هذه العائدات لتحسين السلامة المروريّة راحت الأموال إلى صناديق أخرى لا هدف لها سوى «التنفيعات».