هبطت الجرعة الإيجابية الأميركية في توقيت غير منتظر، أياماً قليلة بعد عاصفة خلفتها زيارة وزير الخارجية الأميركية في 22 آذار، ورسائل التهديد التي وجهها إلى حزب الله. مذ غادر هطلت ردود الفعل، المناوئة والمتحفظة كما المؤيدة بخجل، إلى أن كُشِف الخميس عن موقفه الجديد. لكن في ملف مغاير.

في زيارته تلك، عرّج على موضوع النازحين بكلمات عابرة عامة، مكتفياً بتمني عودتهم، مفضلاً مخاطبة حزب الله على أنه هو المعنيّ بالزيارة ومضمونها. لم يكن كذلك من واشنطن لدى مقاربته ملف النازحين السوريين على نحو باغت المسؤولين اللبنانيين. أراحهم موقفه الجديد، لكنه لم يطمئنهم تماماً. لم يقنعهم حتماً. لم يكن ما سمعوه منه في بيروت هو ذاته ما أدلى به في الأسبوع التالي.
خلافاً لنظرائه الأوروبيين، لم يأتِ الوزير الأميركي في شهادته الجديدة على ذكر «العودة الطوعية»، ولم يربط العودة بالحل السياسي للحرب السورية أو إعادة إعمار سوريا، وكلاهما سبب واجب للآخر. بيد أن موقفه هو نفسه الذي ينقسم المسؤولون اللبنانيون عليه. جميعهم - كبومبيو - يجزمون بطلب إعادتهم العاجلة، وفي الوقت نفسه ينقسمون على دلالة شروط العودة العاجلة وآلياتها بين فريق رئيس الجمهورية القائل بالعودة الفورية بعدما توافر العامل الأمني، وفريق رئيس الحكومة القائل بعودة منسجمة مع معايير المجتمع الدولي لتوافر شروط العامل الأمني. معايير كهذه مرتبطة بوجود نظام الرئيس بشار الأسد بالذات. الفريق الأول يربط تسهيلات العودة بالتواصل معه، والفريق الثاني يريد أن يكون آخر المتحدثين، بعد الدول العربية والغربية، إلى نظام الأسد من أجل عودة أولئك، بل يفضل ألّا يتحدث إليه يوماً من الأيام.
جراء هذا الانقسام، سمع مسؤولون لبنانيون، أكثر من مرة، من ديبلوماسيين أوروبيين يشكون من وجود أكثر من وجهة نظر لبنانية رسمية حيال ملف النازحين، معظمها متنافر بعضها مع بعض. يقول هؤلاء إن انقسام الرؤية ووجهات النظر يلمسونها في أكثر من ملف سوى النازحين، في ملفات مرتبطة بالكهرباء والنفط والغاز والإصلاح الاقتصادي. يقودهم ذلك - وفق ما يسمعه منهم مسؤولون لبنانيون - إلى وضع أكثر من مفكرة تتناول الملف الواحد أحياناً لدى هذا الفريق اللبناني أو ذاك. يضيفون: في ملف النزوح لا نعرف مع مَن من المسؤولين المفوّضين أو المخوّلين مناقشته؟
مع ذلك، للديبلوماسيين الأوروبيين، ولا سيما المطبوعين على التحفظ، بضعة معطيات يعتقدون أن من الأهمية بمكان ملاحظتها:
أولاها، من غير المتوقع للسلطات اللبنانية، على تناقض مواقف أطرافها، التوصل إلى تعريف مشترك مع المجتمع الدولي لعودة النازحين. سيظل المجتمع الدولي متمسكاً بوجهة نظره من «العودة الطوعية»، مقدار إصرار نصف المسؤولين اللبنانيين على «العودة الآمنة»، والنصف الآخر على «العودة الطوعية». الفارق، في رأي هؤلاء، لا يقتصر على ربط العودة بالحل السياسي أو إعادة الإعمار أو كليهما. بل يشمل خصوصاً مفهوم العودة «الطوعية» نفسها التي لا تجعل المجتمع الدولي مؤيداً عودة النازحين السوريين إلى بلادهم ما إن يستبب أمن مساقطهم وقراهم فحسب. يقتضي أن يقرّروا هم ذلك.
ثانيها، مفهوم العودة «الطوعية» - المنبثقة من إرادة النازح الفرد بالذات - متجذّر في قوانين المجتمع الدولي وقراراته. ليس أدلّ على ذلك من القرار 194 الصادر عن الأمم المتحدة في 11 كانون الأول 1948، المتعلق بحق اللاجئين الفلسطينيين في العودة إلى بلادهم. في بنده الـ11 ينص - وكان لبنان إحدى الدول الـ15 صوّت ضده مع سوريا ومصر والسعودية والعراق واليمن - على وجوب السماح لـ«اللاجئين الراغبين» بالعودة في أقرب وقت ممكن إلى ديارهم، والعيش بسلام مع جيرانهم ووجوب دفع تعويضات عن ممتلكات الذين يقررون عدم العودة إلى ديارهم. ما يشير إلى أن مفهوم العودة الإرادية، تالياً «الطوعية» - وإن من دون استخدام التعبير نفسه - ليس محدثاً في وثائق المنظمة الدولية، كما في قوانين الغرب.

ديبلوماسيون أوروبيون: لا نعرف مع مَن نتحدث في ملف النزوح


ثالثها، يحتاج ملف النزوح إلى أكثر من موقف سياسي. إلى آلية موحدة وفق رؤية دقيقة واضحة تتبناها الدولة المعنية، وتناقشها مع المجتمع الدولي، ما لم يبادر هو إلى وضع اليد عليها. الأمر الذي يفتقر إليه لبنان الرسمي. ثمة سابقة، تشبه في جانب من أسبابها الحرب السورية وتداعياتها الإنسانية خصوصاً، لكن من غير أن تفضي إلى نتائج مطابقة، هي ما بعد حرب فييتنام ونزوح مئات الآلاف من الفييتناميين الذين فروا في مراكب وُصفت في حينه بـ«شعب المراكب». عقدت محادثات أممية في جنيف على دفعتين عامي 1979 و1989 - من دون الانتقال بها إلى نيويورك أو التئام الأمم المتحدة لهذه الغاية كالقرار 194 - وانتهت إلى صيغة حل لذلك النزوح. بسبب رفض دول كثيرة استقبال النازحين، اتفق على إحلال أعداد منهم فيها موقتاً وفق مدة زمنية ضيقة، يصير على أثرها إلى نقلهم إلى دولة ثانية. بعض تلك الدول رفض استقبالهم ما لم تعيّن سلفاً الجهة التي سيرحّلون إليها لاحقاً. المرحلة التالية عودتهم إلى بلادهم بمواكبة الأمم المتحدة، لضمان سلامتهم والتحقق من شروط عودتهم الآمنة المنبثقة في الاصل من إرادتهم، وتكون في انتظارهم مساعدات دولية لإغاثتهم.
ما ناقشه المجتمع الدولي حينذاك حاذره مع الحرب السورية في أكثر من جانب:
منها إقامة النازحين في بلد الجوار كما لو أنه خيار ملزم، شأن ما يختبره لبنان واختبره الأردن وتركيا، من غير اعتبار معالجة النزوح مسؤولية دولية كسابقة 1979.
منها تفادي توزيعهم على أكثر من بلد شأن الحالة الفييتنامية. إذ لا دولة عربية سوى لبنان والأردن يستقبل نازحين سوريين، ولا يتصرّف المجتمع الدولي على أن النزوح - شأن انخراطه في الحرب السورية - مسؤوليته المباشرة لمعالجة هذا الملف على نحو مستقل في ذاته.
منها أن المؤتمرات الدولية المعنية بالنازحين السوريين تقتصر على تأكيد إبقائهم حيث هم، وتوفير إغراءات مادية للبقاء والتشغيل، وعدم الخوض في توزيعهم على بلدان أخرى على نحو متكافئ تبعاً لإمكانات البلد المضيف، ما خلا تلك التي تستقبلهم بأعداد محسوبة وضئيلة.