محاولات التيار الوطني الحرّ للتوسّع حزبياً صوب بشرّي كانت دائماً تبوء بالفشل. افتتاح المكاتب الحزبية، وتعيين هيئة للقضاء، ودعم مُرشح إلى الانتخابات النيابية، كلّها أمورٌ لم تُثمر نتيجة فعلية. حتى الشخصية البشرّاوية (سعيد طوق) التي اختارها «التيار» ليخوض بها انتخابات أيار 2018، على اعتبار أنّ لها وجوداً وحيثية، وتُمثّل أكبر عائلة في القضاء، تبيّن أنّ مجموع الأصوات التي حصل عليها (مؤيدوه ومؤيدو التيار معاً) لم يتخطَّ الـ1200 صوت. كان لا بُدّ من تغيير الاستراتيجية، خاصة أنّ التيار العوني يرغب في تعزيز انتشاره على كامل مساحة الوطن، وثانياً لأنّ العمل السياسي في «معقل سمير جعجع» له رمزية خاصة، ويُشكّل دفعاً معنوياً كبيراً للوزير جبران باسيل في مواجهاته السياسية المقبلة مع القوات اللبنانية. انطلاقاً من هنا، أتى الانفتاح على رئيس «حركة المُقدمين»، ملحم (وليم) جبران طوق. استغلّ باسيل المصالحة بين تيار المردة والقوات اللبنانية، و«عَتب» طوق على «المردة» بعد الانتخابات. فابن النائب السابق جبران طوق يرى «نوعاً من التسوية» بين تيار آل فرنجية و«القوات» ليضمن كلّ منهما مقعدين في كل من زغرتا وبشرّي. بدأ التواصل بين باسيل وطوق، والتقيا أكثر من مرّة، وهدف رئيس «التيار» واحد: التحالف مع ملحم. سأل الأخير إن كان ممكناً الجمع بين «المردة» و«التيار»، فهو حريصٌ على عدم القطيعة مع آل فرنجية. ردّ باسيل مُطمْئناً بأنّه لا يطلب من ملحم مخاصمة تيار المردة، لكنّ ثمة خيارين يجب المفاضلة بينهما. يقول طوق لـ«الأخبار» إنّه لا يُمانع التقارب مع التيار العوني «شرط الحفاظ على حيثيتي وتأمين مصلحة بشرّي». من المفترض أن يُعلن التحالف قريباً، «لكن مع الحفاظ على علاقة جيدة مع تيار المردة»، الذي وُضع في صورة التطورات. إنّه تحالف الـ«ربح - ربح» لطرفيه. فباسيل، سيكون أمام فرصة اختراق حصن جعجع، بشخصية قوية هي من نسيج بشرّي. أما طوق، فستُوضع بين أيديه كلّ إمكانات «العهد»، ليتمكن من تنفيذ برنامجه وتمتين وجوده السياسي.

حراك ملحم طوق في بشرّي ليس محصوراً بالسياسة، فهو يستكمل تنظيم حركة المُقدمين في كلّ القضاء، وتنفيذ برنامجه الإنمائي - الاجتماعي، الذي يتضمن: شراء التفاح «المضروب» (الذي يصعب على المزارعين تسويقه) وتصديره، توزيع المازوت على العائلات المحتاجة، التأمين الصحي لعدد من الأهالي، الاحتفالات خلال الأعياد الرسمية... يقول طوق إنّ خصومه «حاربونا بأمور عديدة، وبأنّنا سنتوقف عن العمل بعد الانتخابات. أثبتنا العكس. أصبح هناك فريق غير القوات في بشرّي، وهي التي لم تحقق شيئاً في القضاء، رغم أن كل الإمكانات كانت في يدها. أكثر مكان كشف القوات على حقيقتها هو بشرّي».
من جهتها، أقدمت «القوات» على خطوات تشير إلى أنّ القيادة تخلّت عن «المُكابرة» في القضاء. التدبير الرئيسي إيفاد طوني الشدياق، يد سمير جعجع اليُمنى، إلى بشرّي لقيادة «المرحلة الإنقاذية»، وإعادة اللحمة بين «معراب» والقواتيين الذين ابتعدوا عن الحزب منذ الانتخابات البلدية عام 2016، وتأسيسهم حركة «بشرّي موطن قلبي». فحزب «القوات» كان دائم النكران لوجود حالات سياسية أخرى في المنطقة، فضلاً عن نفيه وجود اعتراضات محلية عليه، خارجة من كنفه. تبدّلت المعطيات بعد صدور نتائج أيار 2018. حافظ «الحزب الحاكم» على المقعدين النيابيين (ستريدا جعجع، جوزف إسحاق)، ولكنّه سجّل تراجعاً طفيفاً في نسبة تأييده (بلغت نسبة الاقتراع في القضاء 39%. نالت اللائحة 13001 صوت، مُقسمة بين 6677 لجعجع و5990 لإسحاق. في دورة الـ2009، كانت نسبة الاقتراع 37%، نالت جعجع 13066 صوتاً وإيلي كيروز 12751 صوتاً). في المقابل، نال ملحم طوق 4649 صوتاً (في الانتخابات الأخيرة)، وتوزعت الأصوات الأخرى لمعارضي «القوات» على لائحتَي التيار الوطني الحر و«كلنا وطني». الاعتراف بالواقع الجديد، يأتي بعد سنوات من اعتبار سمير جعجع أنّ «عرينه» سيبقى بمنأى عن الانقسامات، مهما علت فيه أصوات الاعتراض. اعتقد أنّه برعايته عمادة طفلٍ، أو تقبيل يد مريض، أو الغَرف من زاد الحرب الأهلية، قادر على وأد أي حركة احتجاجية في بشرّي. ففقد سقط الرهان على عدم وجود مشروع سياسي يكسر أحادية القوات اللبنانية بعد تاريخٍ طويل من محاربتها «أحادية العائلات التقليدية». ربّما كان بإمكانه تفادي ذلك، لو أنّه لم يستهزئ بـ«بشرّي موطن قلبي» وبقدرة الناشطين فيها على خلق رأي عام مُعارض، توحّد خلال الانتخابات النيابية خلف ملحم طوق.

حدّدت «القوات» لطوني الشدياق مهلة سنة لإنجاز المصالحات، ووضع تركيبة جديدة


يقول أحد المعارضين في القضاء إنّ رئيس القوات اللبنانية عبّر بعد الانتخابات أمام عدد من قواتيي بشرّي، وفي ثلاث مناسبات، «عن استيائه من النتيجة التي نالها مرشحا الحزب، وضرورة محاسبة المسؤولين». فاستُعين بطوني الشدياق ليكون كاسحة الألغام القواتية. هو رفيق درب جعجع وسلاحه، وضابط الارتباط بين «القوات» والأجهزة الأمنية، ومُهندس المصالحة مع تيار المردة إلى جانب صديقه الوزير السابق يوسف سعادة. الشدياق مُلم بالزواريب البشرّاوية، منذ ما قبل أن يتسلم مُنسقية «القوات» فيها عام 1991. اعتُبر أنّ بالإمكان التواصل معه والتعبير عن الهواجس أمامه. «طوني قريب من الناس، ومستمع جيّد. في الماضي، كانت ستريدا تُطلق تهمة المتواطئ على كلّ من يُعبّر عن رأيه أو اعتراضه على أمر ما. خلق ذلك نوعاً من القطيعة»، بحسب الإعلامي رياض طوق.
بدأ الشدياق بالتواصل مع جميع القواتيين السابقين. اجتمع مع «بشرّي موطن قلبي»، كمجموعة وكأعضاء فرادى، «وجدنا ذلك انفتاحاً واعترافاً بوجودنا كمجموعة»، يقول رياض طوق. قرّر هؤلاء الأفراد اعتبار «وجود هدنة سياسية»، مُعبّرين عن استعدادهم «للمساعدة، من أجل إعطاء الشدياق فرصة لإصلاح ما كنّا نُطالب بإصلاحه». هل هذا يعني انتهاء حالة المعارضة؟ يردّ طوق بأنّه «لم نُصبح معهم، ولكن هل المطلوب أن يبقى التشنج؟ حالياً، العبرة بتنفيذ الوعود وبأن نرى تغييراً في العقلية المُسيطرة على المؤسسات الخاصة والعامة في بشرّي». يُضيف أنّ «هناك إيجابية بالتعاطي من قبل الشدياق، إلا أنّه لم يتبدّل شيء بعد». إلا أنّ أحد القواتيين في القضاء، يُقلّل من أهمية ما يحصل، «لأنّه بعد الانتخابات، تقرّر تعيين منسقين جدد في كلّ لبنان، فأتى تعيين طوني الشدياق كمرحلة انتقالية قبل المؤتمر العام للحزب. ولا وجود لتيار ثان للقوات في بشرّي، فقط بعض المعترضين على سياسات محلية مُحدّدة»، مُقرّاً في الوقت عينه حصول «انفتاح وتواصل مع الشباب».
حدّدت «القوات» لشدياق (الذي حاولت «الأخبار» التواصل معه، لكنه رفض ذلك) مهلة سنة من أجل إنجاز المصالحات، ووضع تركيبة جديدة للمنسقية. وبحسب بعض من يلتقي به، «لا يزال أمامه خمسة أشهر فقط، ليُثبت لنا وجود نية للتغيير». مثلاً، انتخابات لجنة أصدقاء غابة الأرز، «التي يفترض أن تشهد انتخابات في حزيران، بدأت القوات بالضغط لإيصال من تريد إليها». ويؤكد هؤلاء أنّ فشل مهمة الشدياق، «سيُعيدنا أقوى مما كنّا، فغير صحيح أنّ قبولنا التواصل معه أضعفنا».