«على البركة» تسير المعاينة الميكانيكية. شركة «فال»، التي تدير مراكز المعاينة، تحوّلت مع الزمن إلى أمر واقع بلا أيّ سند قانوني. أما الفضائح التي تتوالى على مواقع التواصل الاجتماعي عن سيارات تكاد تكون خردة و«تنجح» في المعاينة، فهي بدورها أمر واقع مثبَت في سجلات هيئة إدارة السير، التي لا تملك أي آلية للمحاسبة، لأن العقود كانت توقع مع وزارة الداخلية. حتى شركة Vivauto التي كانت مكلّفة بمراقبة أعمال شركة «فال»، انتهى دورها بعد انتهاء عقدها وخروجها من القطاع في 1 تموز 2015. هذا التاريخ هو نفسه تاريخ انتهاء آخر عقد رضائي وقّع مع «فال»، بناءً على قرار لمجلس الوزراء، إلا أن الأخيرة كانت محظية بـ«استمرارية المرفق العام».

للتذكير، فإن ملكية القطاع انتقلت عملياً إلى الدولة منذ بداية عام ٢٠١٣، تاريخ انتهاء عقد شركة «فال»، تنفيذاً للمرسوم 7577 لعام 2002 الذي يشير إلى أنه «عند انتهاء مدة العقد مع الشركة المتعهّدة، تعود كل الإنشاءات والتجهيزات والمعدات إلى الدولة من دون مقابل».
وعليه، فإنّ استمرار الشركة نفسها في العمل، يعود إلى توقيع عقد رضائي معها في 5 نيسان 2013، في تخطٍّ لمرسوم عام 2002 الذي ينصّ على وجوب إجراء مناقصة عمومية، والحصول على الموافقة المسبقة لديوان المحاسبة (الوزارة هي التي وقعت العقد وليست هيئة إدارة السير). والأغرب أن العقد لم يفرض على الشركة أيّ ضابط يتعلق بالصيانة أو بحماية التجهيزات التي تعود ملكيتها إلى الدولة، ما يعني انتقالاً من إلزام الشركة المتعهدة «تحديث التجهيزات وتطويرها وصيانتها بحيث تكون بحالة ممتازة وصالحة للاستعمال لدى تسليم المشروع إلى الدولة» (المادة الخامسة من المرسوم نفسه)، إلى إعطائها عقداً يحررها من أي التزام، باستثناء تخصيص نسبة من رسوم المعاينة للدولة.
كل ذلك كان يجري، ولا يزال، وسط اعتراضات كبيرة من اتحادات النقل البري التي تطالب منذ سنوات بإعادة القطاع إلى كنف الدولة، ووقف ما تسميه الخوّة التي تتقاضاها الشركة. لذلك، نفذت عدداً كبيراً من الاعتصامات أمام مداخل مراكز المعاينة. كما عقدت اجتماعات عديدة مع المسؤولين المعنيين، ولا سيما وزراء الداخلية المتعاقبين ورئيسة مجلس إدارة هيئة إدارة السير هدى سلوم. ونتيجة لهذه المطالبات، أرسلت سلّوم كتاباً إلى الوزير نهاد المشنوق قبيل مغادرته الوزارة بأيام، توضح فيه الإجراءات التي تحتاج لها عملية الاسترداد.
بداية، لا نقاش قانونياً يتعلق بحق الدولة باستعادة المنشآت من دون مقابل، إلا أن الإشكالية تكمن في عدم تحديد النظام الخاص بإجراء الكشف الميكانيكي على المركبات (المرسوم 7577) أيّة آلية تسمح للهيئة بإدارة القطاع مباشرة، فهو ينص بشكل واضح على أن تُعهد هذه المهمة إلى مؤسسة خاصة بنتيجة مناقصة عمومية. أضف أن المرسوم يربط بين استيفاء الرسوم ووجود «مؤسسة معتمدة» تتعاقد معها الدولة. أما المشكلة الأبرز، فتتعلق بآلية انتقال الموظفين، الذين ينص قانون العمل، في المادة 60 منه، على بقائهم على رأس عملهم في حال تغيير حالة رب العمل. وعليه، فإن تغيير المتعهد يحتّم انتقال الموظفين إلى المتعهد الجديد، والأمر نفسه يحصل في حال استرداد القطاع. وهذا يعني إضافة نحو 400 موظف إلى ملاك هيئة إدارة السير، ما يتطلّب تعديلاً في ملاكها لاستيعاب العدد الإضافي، إضافة إلى زيادة موازنتها لتأمين رواتب هؤلاء.

وزارة الداخلية تدرس مع وزارة المالية السبل القانونية لزيادة ملاك هيئة السير


لذلك، طلبت سلّوم، لتحقيق عودة القطاع إلى الدولة، أن يتم إقرار سلسلة من التشريعات (قوانين ومراسيم وقرارات إدارية)، لا سيما منها زيادة ملاك هيئة إدارة السير لاستيعاب الموظفين الحاليين وتنظيم مباراة دخول عبر مجلس الخدمة المدنية أو من خلال موافقة مجلس الوزراء ومجلس النواب على التوظيف وتوفير آلية قانونية لاستيفاء الرسوم والضرائب، وتأمين موازنة واعتمادات لنفقات تتعلق بتنفيذ المعاينة وصيانة وتشغيل المستلزمات اللوجستية والتقنية والإدارية كافة اللازمة للتشغيل والتطوير.
لم يتسنّ للمشنوق الخوض في هذه المسألة بسبب تشكيل الحكومة، لكن بعد أيام من تسلّمها حقيبة الداخلية، التقت الوزيرة ريا الحسن وفداً من اتحادات النقل البري برئاسة رئيسه بسام طليس، عرض عليها قراءته للمسألة، مبيّناً أهمية استرداد القطاع من قبل الدولة، شرط المحافظة على أمرين: تثبيت مبدأ المعاينة لما فيه من فائدة على الناس وسلامتهم، واستمرارية عمل الموظفين.
وقد خلص اللقاء إلى طلب الحسن مهلة ثلاثة أشهر «لإنهاء الموضوع بما يتوافق مع القانون»، مرّ منها نصفها تقريباً. علماً أن مصادر مطلعة تؤكد أن الحسن بدأت بالفعل البحث في الإجراءات الآيلة لاسترداد القطاع، حيث تدرس حالياً إمكانية توسيع ملاك الهيئة. كما عمدت إلى مراسلة وزارة المالية لتبحث معها مسألة تحديد جداول رتب ورواتب الموظفين الملحقين بملاك الهيئة ووضع آلية لاستيفاء رسوم المعاينة لصالح الدولة وتأمين الاعتمادات اللازمة لكل متطلبات الصيانة والتشغيل.
وبالرغم من عدم حماسة بعض المعنيين لنقل القطاع إلى الدولة، انطلاقاً من أن قانون المحاسبة العمومية يفرض إجراءات بيروقراطية قد تؤخر العمل أو تعيقه، فيما القطاع الخاص يملك مرونة أكبر في التعامل مع مسألة التوظيف أو شراء المعدات أو غيرها، فإن ثمة مَن طرح إمكانية الاستفادة من نموذج شركتي الخلوي، اللتين تعملان بمنطق القطاع الخاص بالرغم من أنهما مملوكتان من الدولة. هؤلاء يدعون إلى تلزيم الإدارة، فيما يبقى القطاع ملكاً للدولة، خاصة أن المناقصة، التي تسميها اتحادات النقل البري في بياناتها بالصفقة، قد أبطلها مجلس شورى الدولة (طلبت هيئة إدارة السير إعادة المحاكمة)، ما يعني أن مسألة إعادة إطلاق مناقصة جديدة قد تطول لسنوات، الأمر الذي يتطلب خطوات عملية وسريعة تُنهي المعاناة التي يعيشها اللبنانيون المفروض عليهم قانوناً إجراء المعاينة الميكانيكية، فيما مراكز المعاينة الحالية غير قادرة على تلبية حاجاتهم.