تتحدث معلومات مطّلعين على الموقف السعودي عن أن الرياض قررت سحب نفسها من التورط في الملف اللبناني، وأن سياستها تجاه لبنان في الوقت الراهن، ومعها دول خليجية حليفة، ستكون سياسة مهادنة وعدم القيام بأي مبادرة وتحرك فاعل يفهم منه تحول إيجابي أو حتى سلبي. وبناءً على طلب أميركي، قررت الرياض الابتعاد عن بيروت وعن تفعيل أي دور لها، وهذا ينطبق على الدبلوماسية المعتمدة في لبنان، وهو أمر تتعمد إظهاره، أو داخل المملكة. وبناءً على ذلك، فإن المطالب التي رفعها رئيس الحكومة سعد الحريري إليها، وهي كثيرة ومتنوعة مالياً وسياسياً، في حكم المجمدة، بما أن الرياض لا تزال غير راضية عن سياسة رئيس الحكومة والإطار السياسي الذي بات يجمعه مع رئيس الجمهورية العماد ميشال عون وحزب الله، ولا تتفق معه على مبدأ تعرضه لضغوط كثيرة داخلية وخارجية، ما دام أنه استجلبها لنفسه. كذلك فإنها تنتظر ما تقبل عليه واشنطن من تحرك تجاه إيران، وإلى أين سيؤدي هذا التحرك، مواجهة أو مفاوضات تتناول ملفات المنطقة.

بحسب الترجمة اللبنانية لموقفَي واشنطن والرياض، فإن لبنان سيدفع الثمن مهما كانت نتيجة هذا التجاذب. فإذا حقق التفاوض الأميركي الإيراني مهمته، فإن واشنطن ستسلّم لبنان الى إيران، كما فعلت بعد التسعينيات حين سلّمته الى سوريا. وإن تحققت المواجهة، فإن الساحة الأكثر عرضة للاهتزاز ستكون لبنان بطبيعة الحال، علماً بأن واشنطن تعي حتى الآن أن لا حلفاء لها في الداخل لهم القدرة على التعامل مع أي مستجدات تفترضها في إطار كباشها مع إيران، كما كانت الحال سابقاً. وهي تتصرف في الوقت الراهن على أساس أنها وحدها، مراكمة أوراقها الإقليمية والدولية في إطار حملة الضغط المتصاعدة ضد طهران وحزب الله.

واشنطن تعي حتى الآن أن لا حلفاء لها في الداخل لمواكبة كباشها مع إيران


وإذا كانت السعودية تمتنع حالياً عن التدخل، في مقابل تحرك أميركي ضاغط، فإن لبنان في المقابل يقدم للطرفين نموذجاً مستجداً، بعدما اختلطت أوراق حلفاء الرياض وواشنطن وخصومها. فترويكا الحكم حالياً، بعد المشهد الجديد الذي قدمه رئيس الجمهورية ميشال عون في المحافل الدولية والإقليمية، مختلف عما سبق وعرفه لبنان، لأن عون بات ممسكاً بسياسة لبنان الخارجية، ليس فقط عبر وزارة الخارجية، إنما في شكل مباشر يضع فيه رئاسة الجمهورية معززة برؤية سياسية متكاملة، وهو بذلك يرفع سقف التحدي على كل المستويات. يضاف الى توجه عون الخارجي، إمساك حزب الله بالورقة الأمنية العسكرية الإقليمية، وبتحوّله إلى أحد أركان السلطة الأكثر تأثيراً، في حضور أكبر من أي دور قام به حلفاء له. في المقابل، بات الحريري الوجه المالي لهذا المشروع، حاملاً على عاتقه سياسة لبنان المالية الخارجية، ومسوّقاً لفكرة استيراد الأموال والمشاريع. فهو، بصرف النظر عن مناكفات داخلية لتحصيل حصص من هنا ومكاسب محلية من هناك، يضع رصيده الإقليمي على المحك، مقابل تأمين الأموال، من مصادر ومؤتمرات متنوعة، أبرزها حالياً عبر الفرنسيين ومؤتمر سيدر. ما تقوم به هذه الترويكا الجديدة، إذا تمكن الحريري من استجلاب الأموال اللازمة، تعني أنها ستتحكم بلبنان للسنوات المقبلة، وستضع البلد تحت سقف مشاريعها وسياستها العامة محلياً وإقليمياً، فيما يتفرج عليها بقية الأطراف السياسيين الذين باتوا أقلية في مواجهة هذا المشهد المستجد. وقد بدا واضحاً المنحى الذي تمارسه ثلاثية الحكم هذه في تطوير حضورها الداخلي والخارجي، وصياغتها أحلافاً وسياسات مستجدة، وفي تقديمها مشاريع داخلية تصب في منحى تحكمها بالوضع القائم، فتمسك السياسة والمال والأمن. وهنا يبرز دور الحريري، الذي بالغ أخيراً في تبرير أدائه بتصوير نفسه ضحية أزمات مالية وسياسية، في تأمين غطاء مالي بحجة تفعيل الحياة الاقتصادية والمالية وتنشيطها، ليس لحكومة وحدة وطنية، بل لمشروع متكامل، لأن دور عون وحزب الله المتكامل أمر تلقائي بفعل التحالف السياسي القديم.
وفق ذلك، يتم تداول مجموعة من السيناريوات حول دور واشنطن وموقفها مما يجري، وهل ستغض النظر عن دخول الأموال الى لبنان عبر سيدر، أم ترفع سقف تطويقها المالي للبنان، علما بأن رصيد حزب الله وتمكّنه من فرض إيقاعه على الساحة اللبنانية سيؤديان الى ارتداد العقوبات عليه، سلباً على لبنان كله فيدفع ثمن الضغط الأميركي باهظاً. إضافة الى أن الأسئلة تتمحور حول دور القوى السياسية غير المشاركة في هذه التركيبة، وتحوّلها إلى مجرد متفرجة على ما يجري من دون أي ممانعة. لا بل إن أطرافاً تنخرط في لعبة المؤتمرات الدولية وسيدر ومخصصاته، من دون أن تحسب الكلفة السياسية لهذا الأداء.