أن تقوم السلطات العثمانية، في مثل هذه الايام قبل 104 سنوات، بإعتقال أكثر من 250 من المفكرين والقادة الأرمن في عاصمة القسطنطينية وتبادر الى إبعادهم والقضاء عليهم؛ وأن تهجم الجيوش العثمانية (التركية) على البيوت وتخرج سكانها وتجبرهم على السير مئات الأميال ورميهم في الصحراء السورية؛ وأن تبعد الأطفال عن أسرهم قسراً وتعمل على تتريكهم وأسلمتهم بالإكراه وتغيير أسمائهم وتجريدهم من الأوصاف البيولوجية والعرقية الخاصة بهم وتحويلهم تدريجياً الى هوية مختلفة؛ وأن تخضع النساء والعجّز للبطش والتعذيب والاغتصاب؛ وأن تقرر مصير أمة لأن مشروعها يرمي الى جعل التركيبة الإثنية متجانسة في آسيا الصغرى...

أوليست كل هذه الأفعال إجرامية من الدرجة الأولى؟ ألم تهدف السلطات العثمانية الى تذويب الشعب الأرمني من خلال التعذيب وتسميم الاطفال وخنقهم بمبيدات الحشرات والغاز السام بعد تحضير جدول بالضحايا (هذا ما حصل بالفعل في مدرسة درابزون على يد العاملات التركيات في المدارس)؟ ألا يُسمى ما تعرض له الشعب الأرمني «تصفية جسدية»؟
فقد الشعب الأرمني جراء هذه الابادة مليوناً ونصف مليون من الأبرياء العزّل، وعاش حالة ضياع وتشرد وتفكك معظم الروابط الأسرية.
كيف ننسى ما أدلى به الأطباء الأتراك أمام المحكمة العسكرية من قصص متنوعة عن زملائهم الذين قاموا بتسميم الأرمن، وإغراقهم في البحر، وتقطيعهم إربا، وإجراء التجارب عليهم. وماذا نقول عن الطبيب محمد رشيد الذي بطش بالأرمن وهجّر أكثر من 120 ألفاً منهم حين عين حاكماً لمدينة دياربكر عام 1915، وهو الذي لقب بالجلاد، بسبب بشاعة عمليات التعذيب التي قام بها، وعرف بـ«النعّال» لأنه كان يأمر بدق حدوات الأحصنة على أرجل ضحاياه، ثم يجبرهم على المشي بها في الشوارع في موكب إستعراضي، كما اشتهر بتحطيم الجماجم وصلب الضحايا.
كل هذا ما هو إلا نقطة في بحر الدماء...
إن الدولة التركية وريثة السلطنة العثمانية تنكر هذه الوقائع وتحاول أن تتملص من عبء هذه الجرائم، لكنها تعود لتغرق بأفعالها الداعشية كل يوم في بلادها ضد مواطنيها وفي أوروبا...
إن أنين مليون ونصف مليون من الشهداء الأرمن سيبقى يصمّ آذان الأتراك طالما لم يعترفوا ولم يعيدوا الحق لأصحابه.
بعد 104 أعوام، تحوّل الماضي الأليم للشعب الأرمني الى بخور وشمعة مضيئة ترفع الى هؤلاء القديسين الذين يباركون هذا الشعب في نضاله من أجل القضية الأرمنية.
لقد أخطأت الدول التي تغاضت عن الحقائق التاريخية، وراهنت مع تركيا الحالية على أن كل الوقائع السابقة قد تزول، لأن الشعب الأرمني قرر العيش والمحافظة على اللغة والتراث والثقافة.
صوصي سركيسيان