لا تجد السلطة نفسها معنية بإجراءات التقشّف التي تريد فرضها على المواطنين. وفي وقت تتجه الى «تشريع» الاقتطاع من رواتب موظفي القطاع العام وفرض ضريبة على كل «نفَس» نرجيلة، تنتهج مؤسساتها سلوكاً مناقضاً تماماً. من ذلك، العشاء الباذخ الذي نظّمته بلدية الحدث، مساء السبت الماضي، وكلّف نحو 120 مليون ليرة.

وفي التفاصيل، فإنّ الدعوة وُجّهت إلى 1200 شخص من أبناء البلدة لحضور اللقاء المُخصّص لعرض «إنجازات عام من عهد المجلس البلدي»، في فندق هيلتون - الحبتور في سنّ الفيل. وتخلّل اللقاء عشاء وتوزيع العدد التاسع من النشرة البلدية. وبحسب المعلومات، بلغت كلفة العشاء 65 دولاراً للشخص، ودفعت البلدية من صندوقها نحو 78 ألف دولار (نحو 117 مليون ليرة)!
عضو المجلس البلدي السابق روجيه لمع أكّد لـ «الأخبار» أنّ الحفل «مخالف للقانون ولا يؤمن المنفعة العامة, وهو ليس الا حفلا خاصا ولا يشمل جميع أبناء البلدة وله أبعاد سياسية وانتخابية». وقال إن البلدية تنظّم هذا اللقاء منذ عام 2011 بكلفة لا تقلّ عن 100 مليون ليرة سنوياً. ولفت الى ان البلدية في صدد تنظيم حفل عشاء ثانٍ في الثاني من حزيران المقبل تكريماً لوزير الخارجية جبران باسيل في القصر البلدي، «وقد تكون الكلفة مشابهة لكلفة العشاء السنوي، وربما تتخطّاه».
رئيس البلدية جورج عون، من جهته، اكتفى في اتصال مع «الأخبار» بالقول إن هذا النشاط هو «عبارة عن لقاء بلدي. وليس العشاء هو الهدف»، فيما أشار نائبه الى أن «المواطنين الحدتيين لا يقصّرون في دفع مستحقاتهم ومن حقهم علينا أن نقوم بالواجب بتنظيم لقاء راق لهم».
ووفق مصدر إداري مُطّلع، فإنّ قانون البلديات (المرسوم الإشتراعي 188/77) أجاز للبلدية اقامة هذا النوع من النشاطات تحت بند يتعلّق بموازنة الأعياد والتنفيذ وغيرها، «إلا أنّ صفقات الخدمات التي تفوق الـ 25 مليون ليرة، تحتاج حكما الى موافقة مُسبقة من ديوان المحاسبة وفق المادة 35 من قانون تنظيم الديوان».

سبق لديوان المحاسبة أن اعتبر ان حفل العشاء السنوي لا يُشكّل منفعة عامة


وكان ديوان المحاسبة أصدر بتاريخ 17/4/2011 قرارا (رقم 895/ رم)، رفض بموجبه الموافقة على إقامة الحفل السنوي آنذاك، واعتبر أن إقامة عشاء لبعض أبناء البلدة «وإن بغاية إطلاعهم على المشاريع المُنفّذة أو المستقبلية لا يُشكّل عملا ذا طابع أو نفع عام»، لأن تحقيق المنفعة العامة المنصوص عنها في المادة 47 من قانون البلديات «يكون من خلال تقديم خدمات عامة أو إشباع حاجات عامة للجمهور أو من خلال أعمال ودعوات موّجهة للعموم لإضفاء الطابع العام عليها».
وقد طلبت البلدية آنذاك إعادة النظر بالقرار لافتة أنها سبق أن أقامت مثل هذا الإحتفال ولاقى موافقة المراجع المختصّة في حينه، وأنّ الهدف الأساسي هو التداول بشؤون البلدة. لاحقاً، وافق ديوان المحاسبة على الطلب مع «توصية البلدية بضرورة السعي مستقبلا الى إيجاد إطار مختلف عن الإطار الحالي للقاء». ووفق لمع، بعد هذا القرار، غطّى ديوان المحاسبة على مدى السنوات الثماني الماضية، اقامة هذا العشاء الخاص «بعد تسوية الوضع مع المعنيين في الديوان».
الجدير ذكره أن تكرار اتخاذ الديوان لقرارات مغايرة لتلك التي أقرها بداية الأمر يُساهم في البناء عليها في ما بعد واعتبارها «عرفاً» سائداً، وهذا ما يصلح تعميمه على كثير من الملفات في القطاع العام القائم على تكريس الإستثناء كقاعدة، ما من شأنه أن يعيق المُساءلة ويعطي «شرعية» لممارسات الهدر.