أيّ مستقبل لـ «الجامعة اللبنانية الثقافية في العالم»؟ هذا هو السؤال المطروح بعدما انتهى مؤتمرها العالمي الذي عُقد في بوغوتا، عاصمة كولومبيا، الأسبوع الماضي إلى مساومات حزبية رخيصة بعيداً عن مصلحة الانتشار اللبناني، ما أوصل الجامعة إلى أسوأ المراحل في تاريخها الذي يعود إلى أكثر من نصف قرن. فبدل أن يبادر المؤتمر إلى البحث في لمّ الشمل وجمع المتفرّقين ومحاولة توحيد الجامعة التي أصبحت أربعاً، جاء ليغذّي هذه الانشقاقات المستمرة منذ 20 عاماً من دون أن تلوح في الأفق نهاية لها، ما ينعكس سلباً على المجالس الوطنية في مختلف الدول، فيشلّ نشاطاها ويحول دون انضمام جمعيات جديدة إليها.

لن ندخل في تفاصيل عدم شرعية المؤتمر الأخير الذي جاء بعد إفشال مؤتمر باريس في أيلول، لأن المهم طرح الأفكار والحلول إذا كانت النيات طيّبة بالفعل كما يدّعي بعضهم. ولكن نشير، عموماً، الى إنّ الفشل تمثّل في عدم وجود هيئة ناخبة شرعية وواضحة، وفي عدم قيامه على قانون واضح، لا بل على عدم تطبيق أي قانون. وهذا ما يعرفه كل من شارك في المؤتمر، لكنّهم يفضّلون التوافقات السياسية الحزبية التي ألحقت - ولا تزال - أشدّ الضرر بالجامعة وعالم الاغتراب.
عالم الاغتراب اللبناني اليوم من دون مؤسسة مدنية شرعية جامعة تحتضن قضايا المغتربين وقضايا الوطن، وتعمل كما في الماضي لخدمة مصالح لبنان وتمتين علاقاته بدول العالم. وهذا أمر خطير، في وقت يحتاج وطننا إلى تضافر كل الجهود، مغتربين ومقيمين، لتفادى الكوارث التي نستشعرها جميعاً. ولا داعي للتذكير بأهمية المغتربين في دعم الوطن اقتصادياً واجتماعياً وسياسياً وعلمياً، ولكن ضمن إطار مؤسساتي واضح وشرعي يعمل بالتواصل مع الدولة اللبنانية وبالتعاون مع ممثّلياتها في الخارج. أما الآن، فكل هذا غير موجود منذ سنين، والانشقاق سيد الموقف.
من هنا، لا بدّ من إيجاد حلّ، لأن الجامعة لا يمكن أن تبقى أسيرة الأحزاب، فاقدة لكل استقلالية، ومشلولة الحركة. لذلك نقترح تشكيل لجنة مستقلة ممن عملوا في الجامعة من أصحاب النياّت الصادقة، مفكّرين وديبلوماسيين ورجال قانون ومختصّين في شؤون الاغتراب، تكون مهمتها لمّ الشمل ووضع أسس ومبادئ جديدة لتوحيدها وإنقاذها من مشاكلها، وبما يجعلها تنسجم مع متطلبات العصر الحديث، ويعيد إليها كل من انشقّ أو اعتكف أو تباطأ، فتعود الجامعة كما كانت عند تأسيسها داعماً مهماً للوطن على جميع المستويات. وهذا يستتبع وضع وثيقة تعاون بين الدولة والجامعة، تكون الأخيرة على أساسها المؤسسة الاغترابية الوحيدة التي تمثل اللبنانيين المغتربين والمعترف بها رسمياً من الدولة. وهذه الهيئة يجب أن تشمل الإدارات العالمية المتعددة للجامعة - صار عددها ثلاثة أو أربعة - وأن تعمل بالتنسيق والتعاون مع الدولة وبعثاتها الديبلوماسية، ولكن باستقلالية تامة.
بذلك نكون قد أمنّا للجيل الجديد إطاراً واضحاً وسليماً يمكّنه من حمل المشعل والسير على خطى الآباء والأجداد.

* رئيس سابق لـ «المجلس الوطني الفرنسي» ومؤسس
«أيام لبنان في باريس»