بمجرد انعقاد مجلس الوزراء، لن يكون بمقدوره تأخير طرح مسألة قطوع الحسابات. تلك معضلة حقيقية تواجه المجلس المنقسم على نفسه. فبين الساعين إلى تمرير تسوية على حساب المال العام والمصرّين على إحالة كل مشاريع قطع الحساب على مجلس النواب، لم يتضح بعد كيف سيكون المسار. لكن ما هو جليّ أن الارتباك سيد الموقف، والكتل السياسية لا تزال حائرة في كيفية الخروج من هذا المأزق. المستقبل أشد المتضررين من تحوّل هذه الحسابات إلى قوانين، لأنه يدرك أن معظم الإشكاليات التي اكتشفت أثناء التدقيق إنما جرت في فترة وجود وزراء التيار على رأس الوزارة. سبق أن سعى هؤلاء إلى عرقلة عملية إنجاز الحسابات المالية منذ عام 1993 وحتى عام 2017. كان مشروعهم إنجاز تسوية سياسية بدلاً من فتح ملف الحسابات وتدقيقها. لم يتمكنوا من ذلك، فانطلق قطار إعادة إنتاج الحسابات وتصحيحها، بقيادة المدير العام للمالية العامة آلان بيفاني، في عام 2010.

منذ ذلك التاريخ توالت الفضائح المكتشفة، كما توالت الإنجازات. الإنجاز الأهم كان تحديد ميزان الدخول في عام 1993، الذي شكّل تصفيره إحدى أبرز الخطايا التي شرّعت الباب أمام سنوات طويلة من الفوضى في صرف المال العام.
القضية نضجت، وموازنة 2019 يفترض أن تقرّ الأسبوع المقبل. ولتُقرّ ينبغي تصديق قطوع الحسابات أولاً. سبق أن أثار النائب حسن فضل الله المسألة في شباط الماضي. حينها، قال إن «تنظيم الحسابات المالية للدولة وتصحيح القيود، هو الذي يؤدي إلى انتظام مالية الدولة، ومن دون هذا التصحيح لا تستقيم المالية، ولا يمكن إقرار قطع الحساب. وبذلك لا يمكن أن نصل إلى إقرار ​الموازنة​». الأمر نفسه يكرره رئيس لجنة المال إبراهيم كنعان بعد كل جلسة للجنة.
لو انعقد مجلس الوزراء اليوم، فلا أحد من أعضائه يملك تصوراً واضحاً لكيفية إدارة ملف الحسابات، الموضوع تحت ثلاثة خطوط حمراء: إقرار موازنة 2019 وعدم مفاقمة الأزمة السياسية وعدم إجراء أي تسوية على الحسابات. لكن ديوان المحاسبة، بحجة عدم القدرة على إنجاز التدقيق نظراً لضيق الوقت، أطاح إمكانية إقرار قوانين قطع الحساب المدققة، قبل إقرار الموازنة. ما العمل اليوم؟ يؤكد وزير الاقتصاد منصور بطيش أن تكتل «لبنان القوي» لا يريد أن يُعرقل عمل الحكومة أو يعرقل إنجاز الموازنة، لكنه يصرّ، في الوقت نفسه، على ضرورة إرسال قطوع الحسابات جميعها إلى مجلس النواب. يحمّل بطيش المسؤولية الأولى لديوان المحاسبة، الذي يؤخر عملية التدقيق. فحجة النقص في الكادر البشري لا تقنعه، كما لا يقنعه ما نُقل عن رئيس الديوان أحمد حمدان عن حاجته إلى أربعة أشهر لتصديق حسابات كل سنة (أربع سنوات لتصديق كل قطوع الحسابات التي أعادت وزارة المالية إعدادها!). يقول إنه ما دام الديوان وضع ملاحظاته على المنهجية المتبعة في عام 2017، فإن ذلك ينسحب على ما سبقها، ولا يبقى عليه سوى التأكد من الأرقام الأساسية في كل قطع حساب من دون الخوض في التفاصيل، إذ إن التدقيق لا يجب أن يكون شاملاً، أسوة بما يجري في كل دول العالم، ولا سيما فرنسا التي يستمد لبنان منها نظام ديوان المحاسبة، بل يكفي التدقيق في عينات مختارة ومتابعة التقارير التي قدمتها وزارة المالية. أما التدقيق في الحسابات جميعها، فهو أشبه بإنجاز العمل مرتين، مرة في الوزارة، ومرة في الديوان. ينهي بطيش كلامه بتأكيد أن الحسابات مسؤولة وطنية لا يمكن التقاعس عن إنجازها بسرعة، حتى تنتظم المالية العامة.
إذا كان تكتل لبنان القوي سيدخل إلى مجلس الوزراء بهذا الموقف، وكذلك حزب الله وحلفاؤهما، فذلك يعني أن قطع حساب 2017 وحده لن يمرّ، ويعني أيضاً أن تمرير قطوع حسابات 2004 إلى 2017 من دون تدقيق لن يمرّ أيضاً. إذا أقر الاحتمال الأول، فإن ذلك لن يمنع تكراره مع موازنة 2020، وإذا أحيلت قطوع حسابات ما بعد 2004، فإن ذلك يعني أن وزارة المالية قد عملت طوال تلك السنوات بلا طائل. هناك احتمال لا يزال يتداول على نطاق ضيق بوصفه آخر الدواء. فإذا كان بعض الحكومة يتعامل مع الحسابات المالية كوحدة لا يمكن تجزئتها، وإذا كانت الحجة في عدم تصديق ديوان المحاسبة لقطوعات الحسابات كلها هي الوقت، فإن المخرج قد يكون في تمرير مادة في الموازنة تعطي مهلة إضافية للحكومة لإرسال قطوعات الحسابات المدققة، على أن لا تكون هذه المهلة بعيدة (على غرار ما تضمنته موازنة 2017). أصحاب هذا الرأي يرون أن هذه الخطوة تبعد شبح أي تسوية على حساب إحالة كل قطوع الحسابات على المجلس النيابي وتسمح، في الوقت نفسه، بإقرار الموازنة.