قبل أعوام، ومن غير ندم، قرّر نديم عبد الصمد (أبو بشّار)، بصفائه المعهود، الابتعاد عن المشهد العام. كان جادّاً بقراره، حدّ اعتزاله يوميات السياسة التي سبق له أن أدمنها وجعلها أولوية اهتماماته العامة والخاصة، بل ومحوراً مركزياً لجهد ثوري وتفانٍ نضالي جعله يجوب العالم داعياً ومبشّراً بعدالة القضية العربية.

يومها، وجد من استغرب القرار، واعتبره تخلّياً لا يليق بمن امتهن الثبات، وانسحاباً لم يحن أوانه بعد. بعض آخر تفهّم وأثنى، خصوصاً بعدما رأى وعاين استفحال أمراض السياسة اللبنانية والعربية، وفوقها نجاح «الاختراقات» في إحداث التبدّلات التي أفرغت الكلمات من معانيها. وكان أول هذه التبدّلات وأشنعها هو ذاك الذي جعل من «الناشط» صنواً للمناضل، ومن السياسي الأمّي صنواً للمثقف الثوري، ومن صاحب السجلّ الإجرامي قائداً يرسم الوجهة الصحيحة...
والأرجح أنه يوم أعرض عن السياسة، بمعناها اللبناني السقيم، كان يحاول قولاً مختلفاً لم يسع الآخرين الإحاطة بأبعاده، ولا الإفادة مما يتضمّنه من احتجاج. لكن الرجل، رغم الإغراءات، بقي على موقف الإعراض لا يؤثّر فيه لوم لائم، ولا عتب عاتب.
وهنا يسجل للراحل، رغم المياه الكثيرة والغزيرة التي جرت، أنه بقي «نظيفاً». عاش في زمن طافت فيه الامتيازات والمنافع، ولم تطله موبقات التحولات التي جعلت من الانتهازية عنواناً للنجاح، ومن الغدر تعريفاً للقوة، ومن الارتزاق صفة للمناضل. حفظ، على الدوام، صورة عن المناضلين الأنقياء، الذين يرحلون ويخلّفون تركة أخلاقية لورثتهم، لا جاهاً لا يفيد ولا ينفع في تلميع اصحاب القلوب السوداء.
في بيته الصغير، كان شبيهاً بكل الناس الذين نعرفهم في حياتنا العادية. رفيقة عمره، نوال، تحملت عبء غيابه، وعبء بقاء منزله مشرع الأبواب كأنه مركز حزبي. وابناؤه تعلّموا ان لا حصانة لهم بغير السعي الى علم وفير، وحده يساعدهم على الترقّي والتطور، موفّراً لهم منعة من الانزلاق نحو بشاعة الفاسدين. وفوق ذلك، تحمل اجتماعياً، بقوة وثبات، كلفة خياره الانساني في عدم التمييز بين الناس كما توزّعهم دولة الطوائف. وحمى خيارات أبنائه في الزواج والعيش والحياة، ملتزما خياراته الشخصية والعامة التي انتمى اليها يوم انخرط في الحياة الحزبية والفكرية.
بقي نديم عبد الصمد، رغم كل شيء، مناضلاً لبنانياً وعربياً وعالمياً يسكنه همّ العدالة الاجتماعية ورفض الهيمنة وأنواع الاستبداد المعروفة المنشأ، وهو منشأ غربي لا لبس في حصريته. وشواهد هذه الحصرية، ماضياً وحاضراً ومستقبلاً، لا تعد ولا تحصى. كان واحداً من الأبناء البررة لزمن ملحمي وصاخب انطوى، عرف كيف يحافظ على الكثير من إيجابياته.
ما هو مؤكد وواضح أن الرجل الذي أمسك عن الكلام لم يقل كل ما لديه، وظل شاهداً صامتاً على تجربة حياة كاملة، تخص بلدنا وأمتنا اكثر مما تخصه. لكن ما هو أكثر تأكيداً أنه فعل كل ما كان في وسعه أن يفعله. وحتى الاختلاف معه، لم يفقده صورته الاخلاقية النقية، رغم انه اختار خطاً سياسياً قرّبه - من وجهة نظرنا - من مجالس ناشطين ادمنوا الارتزاق السياسي، وفشلوا حيث لا يمكن أصلا النجاح.
تأريخ حياة لبنان السياسية سيظل ناقصاً. وفي الصورة لن نجد مع جيوش الطائفيين من يهتم باضافة صورة الرجل. يبقى ان يحفظه عارفوه، من المتوافقين معه او المختلفين، على انه واحد من المناضلين الحقيقيين الذين استحقوا هذه الصفة... رغم كل الأنواء والعواصف.