للسنة الثانية على التوالي، تفتتح وزارة البيئة «موسم» صيد الطيور في الأول من أيلول، موسم تكاثر الطيور ورعاية صغارها، في مخالفة واضحة لقانون الصيد البري رقم 580/ 2004 الذي ينص في مادته الثالثة على مراعاة تطبيق مبدأ استدامة التراث الطبيعي، ما يعني منع الصيد في هذه الفترة من السنة، إذ إن «الموسم» عادة ما يبدأ في منتصف أيلول وينتهي آخر كانون الثاني.

مصادر مطلعة عزت هذا الاستعجال في «افتتاح الموسم» إلى ضغوط مارسها تجار أسلحة الصيد وذخائرها وشركات التأمين على حمل السلاح ومراكز تدريب الصيد. ولهؤلاء «مفاتيح» فاعلة داخل المجلس الأعلى للصيد البري الذي من بين مهماته المفترضة حماية التنوع البيولوجي والطيور والحيوانات البريّة.

نحو مليونين و60 ألف طائر تُباد في لبنان سنوياً (هيثم الموسوي)

عضو المجلس الدكتور غسان جرادي (أحد المتحفظين على القرار الذي يُتخذ بالتصويت)، أوضح أن القرار - الجريمة صدر رغم أن «كثيراً من الطيور تفرّخ صغارها وترعاها وتطعمها بين أول أيلول ومنتصفه». وكشف أن القرار «كان يتضمن إدراج طائر الترغل في قائمة الطيور المسموح صيدها. وتم التراجع عن ذلك بعدما قدّمنا مطالعة بيّنت أن وضعه في القائمة يخالف القانون، لأن الترغل مُدرج على اللائحة الحمراء للطيور كونه بين الأنواع المهددة بالانقراض منذ عام 2015 جراء الأعمال الزراعية في أوروبا».
يشير جرادي إلى كثير من التجاوزات لنظام الصيد البري بما يخالف الاتفاقيات الدولية التي وقّع عليها لبنان، ومنها «اتفاقية التنوع البيولوجي» CBD، وإتفاقية «إيوا» AEWA للطيور المهاجرة الأوراسية – الأفريقية، ومذكرة تفاهم «حماية الطيور الجارحة»، واتفاقية «التجارة بأنواع الطيور المهددة بالانقراض» CITES، واتفاقية «الأنواع المهاجرة» CMC.
يلفت جرادي الى أن حجم الكارثة أكبر مما يمكن تخيله «عندما نعرف أن متوسط ما يباد سنوياً من الطيور هو مليونان و60 ألف طائر» وفق دراسة أعدّها. ويؤكد أن «في لبنان كل شي بيتقوّص عليه»، لافتاً إلى أن أغلب الطيور الذي يجري اصطيادها تبقى في مكانها، «وعندما أقوم بجولات في مناطق الصيد أرى مئات من الطيور المتروكة والذباب يحوم حولها، وبعضها من الطيور المائية المهاجرة بين أوروبا وآسيا، كاللقلاق والبجع والرهو، والطيور الجارحة كالنسر والعقاب والصقور التي يتم اصطيادها للتباهي والتصوير ومن ثم ترمى، وقليل منها يحنّط من أجل الهدايا والزينة، علماً بأن كل هذه الأنواع تؤدّي وظائف أيكولوجية مهمة في تنظيف الطبيعة والقضاء على آفات الحقول والغابات والأحراج وتخليص المحاصيل الزراعية من الأوبئة…».
يُعزى الاستعجال في «افتتاح الموسم» إلى ضغوط مارسها تجار أسلحة الصيد ومراكز التدريب


ما سبق يشير أساساً إلى خلل كبير في تطبيق القانون، خصوصاً في ما يتعلق بغياب الرقابة، إذ إن عديد قوى الأمن الداخلي المكلفين بمراقبة تطبيق قانون الصيد غير كاف، كما أن الصيادين لا يصطادون طرائدهم على جوانب الطرقات، بل في الأحراج والوديان، ما يصعّب تعقبهم. والأمر الأساسي هو «هل للمراقبين القدرة على التمييز بين الطيور المسموح بصيدها أو الممنوع صيدها»، بحسب جرادي، لافتاً إلى قلّة أعداد حراس الأحراج والمحميات الذين «ألتقي بعضهم وهم يعترفون بخوفهم، وأنهم غير قادرين على ضبط المخالفين»، إذ إن كثيرين من الصيادين يرتدون بزات عسكرية في العديد من المناطق، ما يثير الالتباس حول ما إذا كانوا مدنيين أو عسكريين.
نحو 16 ألف صياد (من أصل أكثر من 300 ألف محتملين) نالوا رخص صيد عام 2017 في عهد وزير البيئة السابق طارق الخطيب، الذي كان هو نفسه من هواة الصيد! يؤكد جرادي أن أكثر هؤلاء «لم يتربّوا على آداب الصيد، ويستخدمون وسائل شائنة وجائرة لتضليل الطيور، خصوصاً المهاجرة منها، ويمارسون القتل العبثي للطيور»، حيث «نشأ لدينا جيل يطلق النار حتى على الفراشات. وهؤلاء يمارسون الصيد للصيد»!