بعد الإعلان عن «المذكرة الإصلاحية» التي اقرها مجلس الوزراء، تحت ضغط الحراك الشعبي، كثرت التعليقات التي تناولت الجوانب الاقتصادية والمالية في المذكرة وقدرتها على إنقاذ البلاد من الانهيار الذي لاحت افقه خلال الأشهر الماضية. كما كثرت التساؤلات حول قدرة الطبقة السياسية التي حكمت البلد وأوصلته الى شفير الهاوية على قيادة عملية الإنقاذ هذه.

لكنّ هناك موضوعاً رئيسياً لم يتطرق اليه احد رغم انه يشكل عنصراً مكوّناً لعملية الإنقاذ المرجوة، وهو البعد البيئي لمشروع الإصلاح.
لن نستعرض في هذه العجالة الوضع الكارثي الذي نعيش فيه، إن لناحية تلوث البحار والأنهار والجو او لناحية غياب الرقابة على المواد الكيماوية التي تستعمل في الزراعة والصناعة وينتج عنها تدهور للوضع الصحي للبنانيين وتفشي الأمراض السرطانية التي بدأت تطال كافة الفئات العمرية. كما لن نتطرق الى قضم المساحات الزراعية والاحراج التي تندثر بوتائر سريعة نتيجة انتشار الحرائق، في ظل غياب كامل للسياسات الوقائية، وبفعل امتداد البناء العشوائي في ظل قوانين بناء متخلّفة، نتيجتها الوحيدة دعم المضاربة العقارية.
وسنكتفي بالتركيز على البعد الاقتصادي للموضوع البيئي الذي من دونه، سيلاقي أي مشروع اصلاحي الفشل. فصغر الرقعة الجغرافية للبنان وتنوع طبيعتها وهشاشة الموارد الطبيعية تحتّم استخداماً عقلانياً للأراضي، وصوغ توجه اقتصادي متكامل قائم على مبدأ التنمية المستدامة. وفي عصر التحوّل البيئي الذي تشهده الكرة الارضيّة، لم يعد بالإمكان معالجة المعضلات الاقتصادية والإنمائية، من دون ادراج الكفاءة البيئية كمقياس أساسي لتقييم أي مشروع. واذا اردنا ان يستعيد لبنان دوره المميز في المنطقة، علينا ان نجابه التحدي البيئي، وان نعمل على الخروج من النمط التقليدي للإنتاج الذي لم يعد ممكناً ان نحتل مواقع تنافسية فيه نحو تطوير نموذج اقتصادي اجتماعي بديل، يرتكز على الطاقات المتجددة والاستعمال المستدام للموارد، ويستفيد من الأفق الواسعة التي تفتحها الثورة الصناعية الرابعة والذكاء الاصطناعي في بلد يتميز بتفوّقه من حيث تطور التعليم الجامعي فيه.
لكن، يبدو ان هذا التحدي لم يخطر على بال من صاغوا الورقة الإصلاحية. اذ بقيت التدابير التي أقرّتها الحكومة تنطلق من نموذج اقتصادي قديم يرتكز على التطوير العقاري الذي يسيء الى البيئة، كمشاريع ردم البحر في «لينور» و«أليسار»، والاستمرار في تنفيذ مشاريع السدود من دون مراجعة تقييمية لفائدتها مقارنة مع كلفتها وأثرها البيئي، او بالإصرار على إطلاق محارق النفايات بدلاً من التركيز على تطوير عملية الفرز وتوعية المواطنين على ضرورة اعتماد الفرز من المصدر. كما يبقى هذا النموذج اسير مفهوم الارتكاز على السيارات الخاصة لتأمين تنقل المواطنين وذلك عبر إطلاق مشاريع كبرى لتوسيع شبكات الطرق وفتح شبكات جديدة بدلاً من تطوير النقل العام الذي يشكل الحلّ الوحيد لمشاكل التنقل بين المدن وداخلها.
على هذا الأساس، فان ما أُشيع عن المذكرة الإصلاحية ونعتها بالمذكرة «الانقاذية»، لا يعدو كونه كلاماً مبالغاً فيه. اذ ان ما تضمنته المذكرة مجموعة تدابير قديمة لا ترسم أي آفاق إنمائية مستقبلية، ولا يمكنها الا ان تؤجل انفجار الأزمة الكبرى... لبعض الوقت.

* نقيب المهندسين