تشرح الصحافية اللبنانية حنين غدّار و«الزميلة الزائرة» في معهد «فريدمان» والعضو في «مركز واشنطن للدراسات الشرق أوسطية» في مقالتها المنشورة في مجلة «فورين بوليسي» الأميركية أن «قوة إيران» وسيطرتها على لبنان والعراق تزولان، لأن التظاهرات التي تحدث في البلدين موجهة بشكلٍ أو بآخر ضدها. هي كعادة كتابٍ عربٍ كثيرين يعملون مع المحتل الأميركي، تحاول عبثاً إقناعهم بأن ما يقومون به منذ سنوات ينجح، وبأنهم استطاعوا ويستطيعون متى أرادوا أن يلجوا عمق «المجتمع الشيعي» وفق ما تشرح المجلة في مقالتها المعنونة «إيران تخسر الشرق الأوسط: كما تظهر التظاهرات في لبنان والعراق» (22 تشرين الأول/ أكتوبر 2019). هذه المقالة قد تبدو، منذ اللحظة الأولى لقراءتها، أشبه بمنافيستو اعتماد. إنها تريد أن تقول بأن كل هذه التظاهرات «قد دكّت» المجتمعات الشيعية قبل غيرها، وبأن هذه التظاهرات ضد «الفساد الشيعي» قبل أي فسادٍ آخر. تشرح المجلة في مقالتها الجزء التاريخي المرتبط بالثورة الإسلامية في إيران، ثم جهود الحرس الثوري، منذ انتصار تلك الثورة، لنقل الأخيرة إلى البلدان المجاورة، خصوصاً تلك التي تتضمن وجوداً لأقليات (أو أكثريات) شيعية: لبنان، العراق، سوريا واليمن. توضح المجلة أن سياسة ايران كانت قد انتصرت في لبنان، بعدما فاز «حزب الله» و«حركة أمل» بأكثرية في المجلس النيابي وانتخاباته، وفي سوريا بعد بقاء الرئيس بشار الأسد ممسكاً بزمام السلطة بعد كل ما حدث، وكذلك في العراق عبر حلفائها الذين يسيطرون على مقاليد الحكم ومقدراته.

تظهر مخالب المجلة في الجزء الثاني من المقالة. تشير إلى أنَّ إيران ـــ عبر سعيها الدؤوب للسيطرة على هذه الدول الشرق أوسطية ــــ تجاهلت أمراً مهماً، هو أن هذه الأنظمة التي أسهمت في إنشائها ودعمتها بات هدفها الوحيد خدمة المصالح الإيرانية أو حراستها على الأقل. تشرح المقالة كيف أن حجم التظاهرات هذه المرة يُعتبر كبيراً ومتسعاً أفقياً وعامودياً مقارنة بالتظاهرات السابقة. وفي توجيه واضحٍ لبوصلة المقال، تشير المجلة إلى أنَّ السيد حسن نصرالله، الأمين العام لـ «حزب الله» الذي يقدّم نفسه في المعتاد حامياً لحقوق «الناس» ومحارباً لأجل العدالة الاجتماعية قد أخذ موقفاً تضامنياً وداعماً للسلطة، وهو الأمر الذي يناقضه ويناقض وجود الحزب بشكل كلي. تؤكد مديرة موقع «ناو» اللبناني سابقاً بأنَّ وقوف «حزب الله» مع سعد الحريري كان أمراً غير «واعٍ» و«غير منهجي وأن الوجود الشيعي ضمن هذه التظاهرات يؤكد أن «حزب الله» سيدفع ثمن هذا الموقف، إن لم يكن قد دفعه مسبقاً». يروي المقال كيف أنَّ بعض مراكز «نواب» حزب الله قد أُحرقت في جنوب لبنان، مع أنَّ الأمر لم يحصل، وما حصل لم يتعدّ بعض «هجمات» على مراكز لحركة أمل أو إحراق لبعض الصور من قيادات تلك الحركة. تنتقل بعد ذلك إلى شرح لماذا حصل هذا الشرخ بين قيادة «حزب الله» وقاعدته الشعبية من خلال الإشارة إلى أن الحصار الاقتصادي على إيران ووجود «حزب الله» في الحرب السورية المكلفة، جعلاه يخفّض «مرتبات» عناصره، ما خلّف «هوة» بين عناصره وقياداته. وهذا أمر قد ينفع في بحثٍ يقدّم لأشخاص يجلسون بعيداً عن لبنان. أما مَن يعيش في لبنان، فيعرف أن الموضوع بحاجة إلى نقاش أكبر وأدق. إذ أن معظم قيادات «حزب الله» الرئيسيين لا يزالون يقيمون في قراهم ومدنهم الأصلية (سواء جنوباً أم بقاعاً)، بالتالي وحتى لو كان هناك شرخ من أي نوع، فإنه سيكون صغيراً للغاية وليس إلى الدرجة التي ستدفع الجمهور ذاته للنزول إلى الشارع. ثم إن كانت الحال هكذا، لماذا لم تُحرق أعلام «حزب الله» وصور أمينه العام؟

مقالة ملغومة لحنين غدار في «فورين بوليسي»


يكمل المقال رحلته ليتحدث أكثر عن العراق، مشيراً إلى بحث نشرته وكالة «رويترز»، مفاده أن بعض الميليشيات الشيعية المموّلة إيرانياً وضعت قنّاصين على شرفات المنازل والسطوح لقتل المتظاهرين هناك. طبعاً يتجاهل المقال أو يتناسى الفارق الكبير في الطبيعة، والجغرافيا، والسلوك الاجتماعي بين العراق ولبنان. لكن بالنسبة إلى المجلة ــــ بحسب الظاهر ــــ فإنه إذا كان هناك شيعة، فلا بد إذاً من أن يكون الأمر عينه. ولا تنسى المجلة المرور على تجربة «السرايا اللبنانية لمقاومة الاحتلال»، زاعمةً أن هذه السرايا قد أنشئت للقضاء على أي «معارض» داخلي/ محلي لـ «حزب الله» من دون أن يكون للحزب أي «يد» في الموضوع؛ مع أن أي متابع للشأن المحلي اللبناني يدرك تماماً بأنَّ «حزب الله» كان متبنياً بشكل علني لتجربة السرايا ولم ينكر يوماً أنها جزءٌ منه بشكلٍ أو بآخر. في الختام، تؤكد المجلة، أن «القوة الإيرانية» وغطرستها لم تعودا محتملتين، وبأن الناس في الشوارع قد نزلوا ضد ذلك. وهو الأمر نفسه الذي يردده كثيرون على مسمع الأميركيين. لكن هل هذا صحيح؟ بالتأكيد كلا؛ فالناس مشغولون بأمور أهم وأكثر ضراوةً: الماء، الكهرباء، سرقات البنوك، وقس على ذلك. وحدهم من يعملون مع الأميركيين ومؤسساتهم «يعتاشون» من خلال تلك الأكاذيب، ووحدهم من يصدقونها.