علي حيدر

كشفت خلاصات تحقيق جيش العدو حول عملية أفيفيم الصاروخية التي نفذها حزب الله مطلع أيلول الماضي، عن محتوى الرسائل السياسية والردعية التي نجح حزب الله في حفرها في وعي قادة العدو. ومع أن الجيش معتاد على إجراء مثل هذه التحقيقات لاستخلاص العبر، لكن هذه المحطة بالذات كانت دافعاً الى أن يتم إجراءه «بصورة معمقة وأساسية، واستعراضه في المستويات المختلفة، كما هو متبع، في الجيش الإسرائيلي»، كما عبّر الناطق باسم جيش الاحتلال، انطلاقاً من أن نتائجه المهنية شكّلت مؤشراً كاشفاً عن رؤية مؤسسة القرار السياسي والأمني في تل أبيب لنيات حزب الله الميدانية ومدى استعداده لخوض مواجهة عسكرية رداً على اعتداءات تنفذها إسرائيل ضده وضد لبنان.
أكد تحقيق جيش العدو أنه «بالرغم من التعليمات القيادية، ارتكبت إحدى الآليات العسكرية المصفحة، في داخلها طبيب عسكري وأربعة جنود، خطأً نجت إسرائيل من تبعاته المؤلمة بالصدفة. وتنبع خطورة الخطأ الذي ارتكبته الآلية من أن حزب الله اكتشفها وهي تسير في طريق ممنوع بالقرب من مستوطنة أفيفيم، واستهدفها بعدد من الصواريخ المضادة للدروع التي أخطأتها»، بحسب رواية جيش العدو. الأهم في الخلاصة التي انتهى إليها التحقيق، تأكيده أن عدم إصابة الآلية كان نتيجة «حسن الحظ». ولفت أيضاً إقرار التحقيق بأن «مقاتلي حزب الله يتمتعون بالاحتراف»، وفي ضوء ذلك، ربما يمكن التقدير بأن هذه القناعة لدى قادة العدو، حول الكفاءات القتالية لمقاتلي حزب الله، شكلت دافعاً جوهرياً إضافياً لتحقيق شامل وعميق، يهدف إلى التوصل الى خلاصات دقيقة تشكل أساساً يتم الاستناد اليه من أجل بلورة رؤية وتقدير ازاء خيارات حزب الله.
تنبع أهمية وصف قائد الجبهة الشمالية اللواء أمير برعام، المسؤول عن التحقيق وخلاصاته، بأن عدم إصابة الآلية يعود الى «حسن الحظ»، انطلاقاً من أن كل نتيجة تشكل مؤشراً كاشفاً باتجاه مختلف عن الاتجاه الآخر، ازاء خيار حزب الله الاستراتيجي في مواجهة انتهاج العدو خيارات عدوانية تستهدف عناصره وكوادره، وأيضاً منشآته على الأراضي اللبنانية.
فلو خلصت قيادة العدو، فرضاً، الى نتيجة مفادها أن حزب الله تعمد عدم جبي «ثمن دموي» لكان ذلك يعني أنه أراد فقط التلويح بالرد المؤلم والاكتفاء برفع مستوى التحذير العملياتي، من شن اعتداءات ضده وضد لبنان. في هذه الحالة، كانت الصورة التي ستحضر لدى قيادة العدو أن حزب الله كان يخشى رد الجيش الإسرائيلي على سقوط قتلى في صفوفه، لأنه كان سيؤدي الى تصعيد عسكري واسع. لو تبلورت هذه النتيجة في وعي صناع القرار السياسي والأمني في تل أبيب، لكانوا رأوا فيها فرصة لمواصلة ورفع مستوى الاعتداءات انطلاقاً من أن حزب الله مردوع عن الرد القاتل تجنباً لرد مضاد.
لكن ما جرى أن حزب الله بذل كل جهوده لقتل من في الآلية (5 جنود)، إلا أن الظروف الميدانية حالت دون ذلك، كما حصل ويحصل مع أي مجموعة مقاومة في أي ساحة كانت. وهكذا فإن الرسالة الكامنة في نتيجة تحقيق قيادة الجبهة الشمالية، أدت الى حذف هذا التصور من دائرة الاحتمالات. وكشفت بذلك أيضاً عن أن عملية حزب الله الصاروخية حققت هدفها الردعي والسياسي، انطلاقاً من أن هذه المفاعيل مرتبطة بقراءة قيادة العدو للعملية لجهة كونها مؤشراً على ما سينتهجه حزب الله في الرد العملياتي على أي اعتداء عسكري يستهدفه.
على ما تقدم، بات بالإمكان الجزم بما كان مقدراً ومرجحاً الى حد كبير جداً، أن حزب الله نجح في التأسيس لسقف جديد من الردود على الاعتداءات العسكرية الإسرائيلية. محور هذا السقف وساحته هما الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 48، وبما يتجاوز الخط الأزرق وهو ما كان خطاً أحمر إسرئيلياً «فاقعاً». ولجهة الوسائل القتالية، نجح حزب الله أيضاً في التأسيس لمعادلة رد يتجاوز تكتيك زرع عبوة... وإنما عبر صواريخ مضادة للدروع تستهدف الأراضي الفلسطينية المحتلة. وتتويجاً لهذه السقوف في الرد، ثبت لدى قيادة العدو أيضاً أن حزب الله هدف أيضاً الى جبي ثمن مؤلم من جيش العدو.
هذه الرسائل، وغيرها، تعني بالنسبة إلى قيادة العدو إقراراً ملازماً بفشل محاولتها ردع حزب الله عن الرد الدموي عبر الخط الأزرق، وإحباط محاولتها دفع حزب الله الى تبني خيار الاكتفاء بردود رمزية. والأكثر خطورة بالنسبة إلى قيادة العدو أن حزب الله أثبت استعداده بشكل عملي على أنه سيرد بشكل قاس ودموي، حتى لو كان ذلك سيؤدي الى رد إسرائيلي مضاد وهو أهم عامل في تقويض معادلة الردع التي حاول العدو فرضها. وهكذا أقرت لجنة التحقيق ضمناً بأن حزب الله نجح في أن يحفر في وعي قادة العدو أنه مستعد للذهاب الى أبعد مدى في الدفاع عن لبنان وأرضه وشعبه، ومهما تكن التداعيات.
هذه الرسائل ستحضر بالتأكيد على طاولة القرار السياسي والأمني لدى دراسة أي خيارات عدوانية لاحقة. وتعني أيضاً أن قادة العدو أدركوا بالملموس أن حزب الله سيرد على أي اعتداء يستهدف لبنان لاحقاً. وهكذا تحولت هذه العملية لصناع القرار على طرفَي الجبهة الى فرصة لرفع منسوب معرفة كل منهما عن الآخر، في إرادته وتقديراته وخياراته.
في هذا السياق، يجدر التذكير بأن جيش العدو أمر بتراجع قواته عن الحدود مع لبنان، بعد اعتدائه في لبنان (شارع معوض في الضاحية الجنوبية لبيروت) وسوريا الذي أدى الى استشهاد عنصرين من حزب الله، الى مسافة عدة كيلومترات داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة، على أمل سلب حزب الله فرصة استهداف أي من جنوده. وأخلى بموجب ذلك مواقعه الحدودية، وألغى دورياته، بالرغم من إدراكه الأثمان الردعية التي ينطوي عليها هذا القرار.

كشف تحقيق جيش العدو أن عملية حزب الله الصاروخية حققت هدفها الردعي والسياسي


في المقابل، حاول التحقيق أيضاً أن يتطرق الى ما يفترض أنه ليس من مهامه، وهو ما يؤشر الى أنه تعمد توجيه رسائل ردعية بقرار قيادي. اعتبر التحقيق أنه «لو قُتل ركاب الآلية العسكرية لكان سيشكل ذلك جبي ثمن بالدماء، وإنما كان سيدهور الحدود في الشمال كلها إلى تصعيد ــــ وربما الحرب أيضاً ــــ سعت إسرائيل إلى الامتناع عنها». من الواضح أن هذه الفقرة لا تندرج ضمن اختصاص لجنة التحقيق التي من مهمتها الإجابة عن أسئلة محددة تتصل بالآلية وسبب سيرها في هذه الطريق، ومدى التزامها بالتعليمات، ومن المسؤول عن مخالفتها، وكيف اكتشفها حزب الله، وما الذي أدى الى عدم إصابتها، على افتراض صحة الرواية الإسرائيلية. أما بخصوص ما الذي كان سيحدث لو أدت العملية الى مقتل العناصر الذين كانوا في داخلها، فهذا ليس من مهماتها على الإطلاق. بل من يُحدد هذا التوجه هو مؤسسة القرار السياسي والأمني وليس لجنة تحقيق. مع ذلك، فإن الخلاصة التي انتهت اليها لجنة التحقيق حول نجاة الجنود بمحض الصدفة، يقوِّض هذه الرسالة التي عمدت قيادة الجبهة الشمالية الى توجيهها الى لبنان. لعل من الأخطاء التقديرية التي وقعت بها قيادة العدو أنها لم تدرك بشكل دقيق حقيقة أن حزب الله يسعى الى تجنب أي مواجهة عسكرية واسعة، ولكن ليس بأي ثمن ومهما كانت الاعتداءات الإسرائيلية. أضف الى إدراك حزب الله حقيقة أن كيان العدو أيضاً يسعى الى تجنب هذه المواجهة الواسعة، وهو ما يفرض المزيد من القيود التي تُثقل على صانع القرار في تل أبيب.