كنت قد وصلت إلى الفصل السادس من الكتاب الممتاز لحسن احجيج «نظرية العالَم الاجتماعي: قواعد الممارسة السوسيولوجية عند بيير بورديو»، أي الفصل الذي يشرح فيه الكاتب مبادئ «السوسيولوجيا الانعكاسية» عند بورديو ويفصل في أهمية أن يمارس عالم الاجتماع علم الاجتماع على ذاته وعلى حقله ونظرياته، أي «أن يعكس الباحث على نفسه الأدوات والنظريات السوسيولوجية التي يدرس بها موضوعاته الاجتماعية الأخرى» (ص. 242)، حين اشتعلت بيروت ليل الخميس الماضي. هرولت إلى دراجتي النارية لتعبر بي بين الاطارات والحاويات المشتعلة، ولأجد نفسي في «سرب» من الدراجات الهوجاء تخترق بيروت كسيف مهنّد. فقط، في هذه اللحظة، أحببت بيروت وأدركت أنها أكثر من أي مرة تشبهنا.


لوحة للتشكيلي اللبناني محمد شرف (عن صفحته على الفايسبوك)

لكن الغضب والسخط المكبوت لم ينفجر بعنف إلا ليل الجمعة. هذه إحدى ليالي بيروت المجيدة. الفقراء هشموا واجهات المصارف، شوهوا الشوارع، اندفعوا بهستيريا نحو كل شيء يسخر من فقرهم ويتحداه. كان الحقد في قلبهم أكبر من أي شيء، وهذا أجمل ما في هبّات الشعوب. الغازات أبكتنا جميعاً، والهراوات كشفت وجه السلطة الخفي، قبل أن تعود السلطة إلى لعبتها: أن تكون شبحاً يصعب الامساك به والتصويب عليه، وهذا بالتحديد ما جعل الهبّة في خطر حقيقي تجاه مصيرها: على من توجه السهام؟ إن كنا في نظام جمهوري برلماني، فمن نحاكم؟ وبماذا نطالب إن كان نظامنا نتاج «ديمقراطية» يحرسها مراقبون دوليون؟ هذه أسئلة ستظل مطروحة ما دمنا لا نمتلك وعياً شاملاً حول طبيعة النظام اللبناني وتحولاته وموقعه في النظام الدولي.
حين ينتهي العنف، تبدأ الكرنفالات. هذا درس يوم السبت. حين تصبح الهبّة آمنة، تبدأ الخيارات اللاجذرية بالظهور وتكثر الفئات اللاثورية في الساحات. كل دخان وحطام يستحضر الفقراء الجذريين في خياراتهم، وكل هدوء وانتظام يستحضر الطبقات الوسطى التي تجد في الهبّة فرصة في الاصلاح لا فرصة في الانقلاب. يوم السبت هو يوم الطبقة الوسطى التي أتت بعاداتها ومسلكياتها (وأموالها؟) إلى ساحة الشهداء وشارع رياض الصلح. بدأت الوجوه بالتغير. تمايل الأجساد على وقع قرع الطبول كشف عن رفاهية الأجساد، فيما كانت النشاطات الطفيلية على جسد الهبّة قد بدأت بالتكاثر (تنظيف الطرقات، الرقص الفولكلوري، عربات بيع الطعام...). حتى العنف الرمزي المتمثل في السباب وعبارات التأنيب والاحتقار أخذ طابعاً غنائياً مرحاً. حاول البعض تفسير هذا المزاج الميّال إلى اللهو بأحكام جوهرانية تقول بأن اللبناني بأصله شعب فرح ومسلٍّ، وهو تفسير يغفل أن الطبقة الوسطى دون الطبقة الفقيرة من تمتلك القدرة على تحمل تكاليف اللهو وادخار وقت للتسلية فيما الفقراء لا يطيقون فعل ذلك.
هيمنة الطبقة الوسطى على الساحات ابتداء من يوم السبت، دفعني للابتعاد عن توقّع تغيرات كبيرة في النتيجة. لأن هؤلاء لم ييأسوا من النظام القائم إلى الحد الذي يجعلهم يتخذون خيارات لا رجعة عنها، وهم لا يزالون يعلقون الآمال على تغيير من داخل النظام، وبالتالي فإن حدود حركتهم ستظل مضبوطة ومتوقعة وتحت السيطرة إلى حد كبير، و«خط الرجعة» بالنسبة إليهم لا يزال ممكناً وفي الحسبان. هذا ما جعل الهبّة ترتكس نزولاً حتى حراك 2015، حيث المطالب الثانوية بدأت بالظهور، والحركات الصبيانية بدأت تثير النفور والاستهزاء (شاهدت عدداً من الشبان يطالبون باحتضان مجاني، ولعلهم أكثر من كسب في هذه الهبّة).
المعركة الحقيقية لكل حركة اجتماعية هي في كسب تأييد شعبي واسع والحفاظ عليه


في اليوم السادس للهبّة، وبينما كنت أسير في شارع رياض الصلح الذي تحول مدخله إلى سوق للأطعمة (ما أشبه ذلك ببيروت الشعبية القديمة)، قال لي أحد الأصدقاء: أشعر أن هذا الحراك لا يشبهني. وهذا استنتاج لا يتعلق بطبيعة المطالب والأهداف، بقدر ما يرتبط بالجدران الثقافية التي أحاطت بها الهبّة نفسها. فالتأييد والمناصرة لا يرتبطان غالباً بالبرنامج والمنهج والأساليب، بل بالميول العاطفية والانسجام النفسي مع أي حركة اجتماعية. ولذلك، فإن كل حاجز ثقافي تبنيه بين الهبّة وجمهور من الناس، هو في الواقع انتصار آخر للنظام الذي تحاربه، لأن المعركة الحقيقية لكل حركة اجتماعية هي في كسب تأييد شعبي واسع والحفاظ على هذا الكسب.
إن التأمل في هذه الهبّة على طريقة بورديو في السوسيولوجيا الانعكاسية، تغدو واجبة إن كنا نأمل تطويرها أو نترقب حدوث أخرى. وهذه مسؤولية ملقاة أيضاً على «حزب الله» الذي لا يمكن لأي حركة اجتماعية وطنية حقيقية معاداته، ولو أنه ساهم أخيراً في إعادة انتاج الطائفية السياسية لاعتبارات متعلقة بضمان شرعية سلاح المقاومة. ألم يحن الوقت لأن يفكر هذا الحزب بمنهج آخر لضمان شرعية سلاحه من خارج التحالفات السياسية التقليدية؟