طيلة الأيام التسعة الماضية، أي أيام أوجّ الحراك الشعبي، قررت القنوات الرئيسية أن تنزل بثقلها الى الميدان، وتفتح هواءها للبث الحيّ، ولساعات طويلة أيضاً. وهذا الأمر تطلّب بالطبع جهوداً وتكاليف بشرية ومادية، فانتشر المراسلون على الأرض، في مناطق مركزية وأخرى تقع على الأطرف. ومع الأيام، اتسعت الرقعة، وزاد عدد المراسلين في الميدان، حتى في البقعة الواحدة كساحتيّ «رياض الصلح»، و«الشهداء»، فاختلفت أسماء المناطق التي تشهد الإحتجاجات، وتبدّلت معها أسماء هؤلاء العاملين.


مراسل قناة «الجديد» غدي بو موسى

ظواهر كثيرة يمكن رصدها، من خلال أداء المراسلين الميدانيين، تداخلت معها عناصر أخرى، منها طبيعة المنطقة، وسياسة القناة التحريرية، وحتى نزعة المراسل الشخصية. في الميدان الإعلامي اللبناني، ينحو معظم هؤلاء الى تصوير أنفسهم، كأشخاص على رتبة الحدث أو هم الحدث نفسه، من دون أن يؤدوا بطبيعة الحال، دور المراسل في نقل الخبر، ومختلف المشاهدات الميدانية وإيصالها الى المتابع... لتتشعب الظواهر في هذه الاحتجاجات التي شاهدناها في الأداء. لكن الغالبية تنحصر في أنّ جزءاً كبيراً من هؤلاء حوّل نفسه الى محقق ومستجوب للمحتجين، وبدأ بسيل من الأسئلة التي تخرج عن الحدث، وتصبّ في خانة «تفييش» هؤلاء ومعرفة خلفيتهم، والمناطق التي يأتون منها، والأطراف السياسية التي دفعت بهم الى الساحات. هذه الأجواء طغت بشكل كبير في البدايات، وزاد عليها، إقحام المراسل نفسه في جدال أو حتى في دفاع عن الجهة السياسية التي ينتمي اليها، وعلى الهواء. هنا، لم يقف المراسل على الحياد، بل دخل اللعبة السياسية، وهو يعلم جيداً الغضب الشعبي العارم والنقمة على الطبقة السياسية. لعلّ أبرز مثال على ذلك، مجادلة مراسلة otv جويل بو يونس لأحد المستصرحين الذي هاجم جبران باسيل، فنسيت نفسها، ومهنتها، وراحت تتجادل وتدافع بشكل مستميت عن باسيل. الغضب الميداني الذي كان سائداً في الأيام الخوالي، خّلف توتراً ونقمة على بعض وسائل الإعلام، التي دفعت ثمن انتمائها السياسي كمحطة otv، التي هوجم مراسلوها وطُردوا من الساحات وشُتمت رموزهم السياسية على الشاشة، فكان المراسل هنا، كبش محرقة، بين السلطة والشعب الغاضب، وأكل نصيبه من الهجوم والمضايقات. وفي مسرح الساحات، أضحى الأمر أكثر صعوبة، مع عجز غالبية القنوات عن ضبط الشارع، فوقعت على عاتق المراسل، مسؤولية أكثر في فتح باب التعبير لهؤلاء يقابله جهد عال في محاولة فلترة الكلام الخارج على الشاشة، وهو كان في أغلب الأحيان كلام يقال للمرة الأولى، في شتم الرؤساء والشخصيات السياسية، وتسمية الأمور بمسمياتها.

آدم شمس الدين عرف كيف ينتقي مصطلحاته ويجمع الأطراف المتناقضة

وفي عصر السوشال ميديا، العصا التي باتت لها سلطة واسعة في فضح أداء القنوات وكشف أجنداتها السياسية والتمويلية، شهدنا على ظاهرة تحمّل القناة تبعات ما سيقال خلافاً لسياستها التحريرية تحت عنوان «حرية التعبير»، وتحت ضغط مساحات أخرى فرضتها المنصات الإفتراضية من احتضان لهذه الآراء. هكذا، خرجت مرات عدة، استصراحات جريئة، تشبه ما حصل أول من أمس، في «رياض الصلح» عندما قررت مراسلة mtv نوال بري، فتح الهواء لأحد المحازبين، فما كان منه الا أن وجه انتقاداً واضحاً الى رئيس مجلس إدارة القناة ميشال المر واتهمه بالفساد في قضايا التخابر غير الشرعي، وكرّت السبحة لتطال كذلك مالك محطة «الجديد» تحسين خياط. لعلها من الظواهر النادرة التي تهز الشاشات، وطبعاً تضاف الى هذه الحادثة أمثلة أخرى، تتعلق بمحاسبة القنوات واللعب بالحقائق والتعمية على تغطيات مهمة كتظاهرة «مصرف لبنان» على سبيل المثال... كثر من هؤلاء كانوا يملكون الوعي وساءلوا القنوات عن هذه الثغرة.
ومن ضمن الظواهر التي خلّفتها تغطية الحراك الشعبي، انغماس المراسل/ة التام في الحدث، والمحتجين، إلى درجة الإلتصاق بهم، وتحوله الى جزء من مشهديتهم. هكذا، أضحى بعض هؤلاء «ثواراً» ورفعوا على الأكتاف، مباشرةً على الهواء، فكانت لحظات سجلها البث المباشر، وأخرجت المراسل عن أداء مهمته لصالح صورة استعراضية حماسية لا تفيد عمله البتة. ومن هؤلاء من خندق نفسه ضمن هذه المجموعات الإحتجاجية وصار ناطقاً ومدافعاً عنها. يمكن هنا أخذ مثال مراسلة mtv، جيسي طراد التي كانت قبل أيام قليلة في ساحة «ساسين» وتحدثت عن «تماسك» المعتصمين بوجه الدراجات النارية «الغازية» التي ستحاول اجتياحهم!
بعضهم حوّل نفسه الى محقق ومستجوب للمحتجين


ورغم غياب مهنيتها ربما، الا أن حادثة أخرى يمكن ذكرها، وقعت في هذه الخانة، بعيد أيام قليلة من نزول الناس الى الشارع وكسرهم لجدران الخوف وحتى مجابهتهم لقوى الأمن، وخاصة بعيد تسجيل ركل إحدى المتظاهرات المناضلات لعنصر أمني كان يشهر السلاح. في اليوم الثاني، وقفت مراسلة «الجديد» حليمة طبيعة بوجه عنصر أمني كان ينوي سوق أحد المحتجين واتهامه بحمل سكين في ساحة «رياض الصلح». وقفت حليمة بشراسة الى جانب الشاب، وطلبت من العسكري أن يفك قيد معصميه، ورفضت أن توقف البث المباشر، وأجبرت بالتالي هذا العنصر على الرضوخ للكاميرا وللناس وتحرير الشاب.
هذه الظواهر التي خلفها الحراك الشعبي في صفوف المراسلين، لا يمكن فصلها عن طبيعة ميدانية صعبة، وقاسية حيث يدفع المراسل والمحطة الثمن. حوادث كثيرة تعرّض لها المراسلون وحطمت كاميراتهم ومنعوا من التغطية بفعل الشحن الواقع على الأرض، فأطيح بالصورة، واستعيض عنها بفيديوات السوشال ميديا. حماوة الأرض تحمّلها عدد كبير من المراسلين، ورفضوا مغادرة الميدان حتى تحت التهديد. ومنهم أيضاً، من تحمّل هذه النيران وأخذ بتبريدها على الهواء. يمكن هنا، توجيه تحية الى مراسل «الجديد» آدم شمس الدين، الذي اشتغل على الأرض وفي مناطق حساسة حزبياً وطوائفياً، وعرف كيف ينتقي مصطلحاته ويجمع الأطراف المتناقضة ضمن استصراحات هادئة بعيدة عن أي تسييس أو تحريض.