كشف رئيس وزراء العدو بنيامين نتنياهو عن الرؤية الرسمية الاسرائيلية لما يشهده لبنان من تظاهرات شعبية، مستعيداً الوصف الرسمي الذي كانت تطلقه تل أبيب على «الربيع العربي» باعتباره «هزة أرضية» ستؤدي الى إعادة إنتاج بيئة إقليمية مغايرة لما كانت عليه. ولفت في موقف نتنياهو، أيضاً، وضعه ما تشهده الساحتان اللبنانية والعراقية في سياق واحد (الفرص الاسرائيلية)، «نحن نرى ماذا يجري في الشرق الاوسط. الشرق الاوسط - مرة أخرى - يمر بهزة ارضية. لبنان والعراق وسوريا تشهد عواصف. وكل هذه المناطق تسيطر عليها إيران».

اختيار نتنياهو لوصف ما يجري بأنه «هزة أرضية»، بالمفهوم الاسرائيلي، بعد أيام من عرض رئيس أركان الجيش آفيف كوخافي لتعاظم التهديدات ضد اسرائيل، وإشارته الى فرصة مستجدة تمثلت في انشغال حزب الله بالتظاهرات، يكشف بشكل لا لبس فيه عن قراءة المؤسسة الاسرائيلية، السياسية والامنية، لكون نتائج هذا الحراك سيكون لها أثرها على الأمن القومي الاسرائيلي.
يكشف الوصف الذي أطلقه رأس الهرم السياسي في تل أبيب على الحراك الشعبي في لبنان عن رؤية الكيان الاسرائيلي وتقديره ورهاناته على مفاعيل هذا المستجد الداخلي اللبناني وأثره على المقاومة التي ترى فيها سداً أمام أطماعها في لبنان وتهديداً لأمنها القومي. وينطوي هذا الموقف ايضاً على أن إسرائيل تسعى وتهدف الى حرف هذا الحراك عن مساره المطلبي والمعيشي، الى مسار آخر ينبغي التركيز فيه على المقاومة وخيارات لبنان الاقليمية، وهو ما يعني عملياً تحميل حزب الله مسؤولية الواقع الذي آلت اليه الاوضاع. والواضح أن إسرائيل تريد أن يتحول هذا الحراك ــ في الحد الادنى ــ الى طوق وقيد على حزب الله.

(هيثم الموسوي)

استعادة هذا الوصف، «الهزة الارضية»، وإسقاطه على لبنان والعراق ليسا أمراً عابراً أو مجرد كلمة وردت على لسان رئيس وزراء العدو. بل هما، كما كشفت تقارير إعلامية إسرائيلية في حينه، نتيجة توصية أجهزة الاستخبارات التي أظهرت حذراً في تقديرها لمآل التطورات مع قدر من التفاوت بين ساحة وأخرى.
أتى وصف نتنياهو خلال افتتاح جلسة الحكومة يوم الاحد، بعد صمت رسمي لافت. وبعدما عبَّر نتنياهو عن رؤية اسرائيل وتقديرها، لمآل ما يشهده لبنان، بات مؤكداً أن امتناع المؤسسة الرسمية عن تحديد موقفها لم يكن عرضياً، كما لفت الى ذلك أحد المعلقين الاعلاميين في اسرائيل، بل كان مدروساً وأقرب الى التريث أو الإخفاء بانتظار اكتشاف مآل التطورات وما إن كانت حدثاً عابراً، أو يمكن الرهان على أن تتحول الى مستجد مفصلي في حركة الواقع اللبناني والاقليمي.
ما يُضفي مزيداً من الخصوصية على هذا التقييم أنه ورد على لسان نتنياهو خلال افتتاح جلسة الحكومة. في هذه المحطة بالذات يحرص رئيس الوزراء الاسرائيلي على أن يكون دقيقاً في صياغة مواقفه وفي انتقاء كلماته، كونها تعبر عن الموقف الرسمي الاسرائيلي من أبرز التطورات المؤثرة على المصالح الاسرائيلية، سواء كانت تهديداً أم فرصة.
لا ينبغي توهم أن إعادة إطلاق نتنياهو وصف «الهزة» على ما يشهده لبنان، وفي مواجهة المقاومة (حلفاء إيران)، ناتجة عن عدم اكتراث بأن عدم معرفة وجود حراكين أحدهما وطني ومطلبي، وآخر موجّه يهدف الى النيل من المقاومة بدعم أميركي وسعودي، ولكنه يعود الى كونه ينظر الى هذا المسار انطلاقاً من المساعي التي تهدف الى حرفه باتجاهات تلبّي الأولوية الاسرائيلية، ومما يُقدِّره إزاء مآل التطورات والنتائج التي قد تنتهي اليها.
عمد نتنياهو للاشارة أيضاً الى مكمن المصلحة الاسرائيلية في التطورات التي يشهدها لبنان والعراق، وموقعها من الاولوية الاسرائيلية، من خلال تسليط الضوء على كونها تجري في المناطق التي تسيطر عليها إيران. وهو بذلك يريد القول إنها تأتي في مواجهة محور المقاومة.
تجدر الاشارة الى أن السياسة الدعائية التي تنتهجها اسرائيل تقوم على أساس وصف كل ما يتصل بأطراف محور المقاومة بأنه تجسيد للنفوذ الايراني، انطلاقاً من كون الجمهورية الاسلامية تمثل العمق الاستراتيجي والداعم الرئيسي لهذا المحور، وبهدف تحريضي ايضاً لتقديم مقاومة اسرائيل على أنها تندرج في سياق صراع مصالح بين دول أجنبية.
رئيس أركان جيش العدو: حماس منشغلة بغزّة وحزب الله بالتظاهرات والأسد بإعادة إعمار سوريا


ويكشف هذا الجمع على لسان نتنياهو، بين مفهوم «الهزة»، وفق القاموس السياسي الاسرائيلي، وكونه في ساحات تسيطر عليها ايران، عن الرهان الاسرائيلي على مآل التطورات التي تشهدها الساحتان اللبنانية والعراقية. أما بخصوص وضعه ما تشهده الساحة السورية من تطورات في سياق ما يشهده الشرق الاوسط من عواصف، فهو يعود لكونها تؤدي الى تعاظم التهديد على إسرائيل على المديين القريب والبعيد. لذلك أتبع هذا الموقف بالحديث عن أن تعاظم قوة اسرائيل مكّنها من مواجهة هذه التطورت ويفرض اتخاذ قرارات صعبة جداً.
في سياق متصل، تناول رئيس أركان جيش العدو آفيف كوخافي، قبل أيام، ما يمر به لبنان وأثره على حزب الله. فاعتبر أن «أعداء اسرائيل منشغلون بمشاكلهم الداخلية. حماس (منشغلة) بغزّة، حزب الله بتظاهرات لبنان. الأسد بإعادة إعمار سوريا». أتى ذلك في سياق عرض واسع قدم فيه تطورات البيئة الاقليمية وما شهدته من تعاظم التهديدات. ومن الواضح أن تناوله لما يشهده لبنان كان من باب الفرص وفق المعايير الاسرائيلية، وتحديداً كون ما يجري قد يسهم - على الاقل وفق الرهانات الاسرائيلية - في تقييد هامش حزب الله في المبادرة والرد. وللمقارنة، استغلت اسرائيل انشغال النظام السوري بأولوية مواجهة التهديد الارهابي والتكفيري... (والآن بأولوية إعادة إعمار سوريا) منذ بدء الاحداث في العام 2011، وهو منحها هامشاً من المبادرة والاعتداءات المدروسة بدقة على الساحة السورية. وتستغل الواقع الذي يعيشه قطاع غزة، للضغط على المقاومة وتعزيز قدرة الردع إزاءها. ومن الواضح أن وضع رئيس أركان جيش العدو حزب الله في السياق نفسه، يعكس حقيقة أن إسرائيل تراقب لاستكشاف الى أي مدى يمكن أن تُقيِّد التطورات الداخلية حزب الله. لكن بالاستناد الى ما ظهر حتى الآن من قوة المقاومة والى العديد من المحطات السابقة، من الممكن الجزم بأن أي تقدير إسرائيلي خاطئ ــ وهو أمر سبق أن وقعت فيه ــ سيجبي منها أثماناً مؤلمة، وستفاجأ، كما حصل في المرات السابقة، بالخيارات والخطوات التي بادر اليها حزب الله وأدت الى ردعها.