«ردّ الأصوات المنهوبة»، «شامل روكز باع التيار بمرقة طريق»، «سكّر خطّو مع الأوادم وفتح خطوط مع الزعران»... شعارات كثيرة رافقت إعلان النائب شامل روكز مغادرته تكتل «لبنان القوي» بالتزامن مع بدء الاعتصامات الشعبية. الاستياء العوني لم يحيّد أيضاً زوجة روكز، ابنة رئيس الجمهورية، كلودين عون التي حيّت المتظاهرين في مزرعة يشوع وانضمت إليهم، قبل أن يؤكد روكز في مقابلة تلفزيونية تأييد زوجته للمنطق الذي يتحدث به ودعمها للمتظاهرين. المشهد اكتمل بعد خطاب رئيس الجمهورية الموجه الى المعتصمين في الشوارع. إذ لم تتبنّ كلودين من الخطاب سوى جملة واحدة تتعلق بإعادة النظر بالواقع الحكومي، ما فسره البعض بأنه استهداف لوزير الخارجية جبران باسيل. وأتبعت ذلك بصورة على أنستغرام تقول «الانتخابات المبكرة، أفضل لليوم وبكرا»؛ قبل أن تحذفها. غضب الجمهور العوني على تحميل باسيل مسؤولية كل فساد البلد، معطوفاً على «غدر» روكز وزوجته، دفع بهؤلاء الى «تخوين» ابنة رئيس الجمهورية من منطلق أن تبني مطلب الشارع بإجراء انتخابات نيابية مبكرة ليس إلا التفافاً للمسّ بموقع الرئاسة وبنواب تكتل لبنان القوي. فضلاً عن أن «استقالة الحكومة ومجلس النواب تقود الى فراغ وفوضى يمكن أن تستمر طوال السنوات الثلاث المتبقية من ولاية الرئيس، إذا ما أسهمت بسقوطه في سابقة غير معهودة أبداً».

ميراي و«سيدروس»
تؤكد مصادر في التيار الوطني الحر أن «كلودين وميراي عون لطالما كانتا عرّابتي باسيل لدى رئيس الجمهورية ووراء كل النفوذ والحظوة اللذين حظي بهما لدى الرئيس وداخل التيار». بقي الأمر كذلك حتى الانتخابات النيابية الأخيرة بعدما تبيّن أن عدد الأصوات التي نالها القائد السابق لفوج المغاوير لم يكن على قدر التوقعات. حمّلت كلودين باسيل مسؤولية ذلك لتعامله مع روكز كمرشح مستقل ومنع الهيئات الحزبية من الاجتماع معه. توضح المصادر أن «كلودين أرادت لشامل أن يخرج بطلاً بعد الانتخابات بفارق كبير في الأصوات حتى ولو أدّى ذلك إلى خسارة اللائحة نائباً أو اثنين». بعد الانتخابات، انكسر شيء ما في العلاقة بين باسيل وروكز، وبدأ الأخير يغرّد منفرداً، وصولاً الى مقاطعته اجتماعات التكتل غداة إعداد الموازنة ومناقشة رواتب العسكريين المتقاعدين، مروراً بدعوة العونيين القدامى الى منزله وحضوره قداس 13 تشرين برفقتهم، وصولاً الى تأييده المتظاهرين ودعوته الى إسقاط الحكومة وتشكيل أخرى متخصصة واعتباره أن ورقة الإصلاحات «غير قابلة للتنفيذ، أنا بعرف شو في بمجلس النواب. والإصلاحات بتبلش بفصل النيابة عن الوزارة»، متهماً «المحيطين بالرئيس» بـ«التأثير عليه بطريقة سلبية».
على المقلب الآخر، تؤكد المصادر أن مشكلة العونيين القدامى الذين اعترضوا على النظام الداخلي لم تبدأ مع باسيل بل مع ميراي، ابنة رئيس الجمهورية، التي أعدّت بنفسها النظام الذي سمح لوزير الخارجية بالإمساك بالحزب والفوز برئاسته. بدأت المشكلات بين مستشارة الرئيس ورئيس التيار تكبر عند الانتقال الى قصر بعبدا. وجهة نظر فريق باسيل تقول إن التعيينات التي تولتها ميراي في القصر ومنها فريق الرئيس «أثبتت فشلاً كبيراً، ما أساء لصورة الرئيس. وجاء التسجيل الأخير لخطاب عون قبل يومين ليتوّج كل «تخبيصات» هؤلاء خلال 3 سنوات». أضف الى ذلك «الوجوه الوزارية التي كانت تصرّ على إقناع الرئيس بها، وأبرزها رائد خوري رئيس مجلس إدارة سيدروس بنك: صورة العهد التي تمزقت في بدايته مع انكشاف الهندسة المالية التي نالها البنك من مصرف لبنان توازي أضرار كل وزراء التيار معاً».
في المقابل، ترى مصادر عونية أخرى أن «المشكلة تكمن أيضاً في «أنا» جبران باسيل التي تحتكر كل شيء وتريد أن تتحكم بالحزب وقراراته وقرارات رئيس الجمهورية والنواب والوزراء. أدى ذلك الى تراكمات انتهت بـ«انفجار» كبير داخل القصر الجمهوري وفي قلب الحزب وتكتله». وعليه، «فليتحمل من أراد قيادة السفينة وحده تداعيات أدائه وأداء الحكومة مجتمعة. لا بدّ لمن احتكر كل الأدوار والمساحات والعلاقات والقرارات من أن يتحاسب من الشعب بهذه الحدة: بالطلعة احتكر كل شي، بالنزلة كمان لازم يحتكر كل شي». هذه المصادر المقربة من كلودين تشير الى أنه «كان متوقعاً أن تصل الأمور الى هذه المرحلة بعدما خاض التيار انتخابات أظهرت تراجعاً في شعبيته، إلا أنه أبى الاعتراف بذلك أو التوقف قليلاً للمراجعة.

مصادر التيار: الهندسات المالية لـ«سيدروس» أضرّت بالعهد أكثر من أيّ أمر آخر

كما أن هناك مساراً أوصل الى الانفجار نتيجة عدم تلقّف التيار إشارات الانزعاج من الأداء العوني في محطات عديدة»، والمفروض «الحفاظ على حرية الرأي وسماع معاناة الناس الموجودة في الشارع. لذلك يفترض إجراء مراجعة ولو متأخرة قبل أن يخسر التيار كل ما بناه الرئيس خلال سنوات». المصادر تشير الى أن «الشتائم العونية التي يتحمل مسؤوليتها الجيش الإلكتروني للحزب أزعجت رئيس الجمهورية من الحريصين عليه أكثر من حرصه على نفسه». وتذكّر المصادر بأن «شامل روكز تُرك وحيداً»، في الانتخابات النيابية، «ولا يحق اليوم لمن لم يقف يوماً معه أن يعاتبه ويعيّره بقلّة وفائه؛ فيما ماكينة حزبية اشتغلت كلها ضده وحاربته». رغم ذلك، شدد «العميد» في أكثر من مناسبة على أن «رئيس الجمهورية خط أحمر وهو باق الى جانبه».
وللمقربين من ميراي روايتهم أيضاً. يتهم هؤلاء باسيل بـ«التفرد في اتخاذ القرارات من دون مشاورة أحد أو الاستماع الى وجهة نظر أخرى». ويوضح هؤلاء أن «الخلاف الرئيسي بين ميراي وباسيل ظهر خلال الجلسات الحكومية التي كانت تتضمن قرارات عونية مسيئة للتيار ولرئيس الجمهورية... كما أن باسيل وقف طويلاً في وجه بعض الأسماء التي أرادت ميراي تعيينها في القصر وعطّلها». تلا ذلك، «تجاهل كامل لطروحات اقتصادية عملت عليها، وكسر لهيبة الرئيس عبر الإصرار على كسر القاعدة التي وضعها عون بفصل النيابة عن الوزارة». وتخلص الى أنه «لا يمكن لمن نسج عداءات على طول الوطن أن يكون على حقّ والآخرون جميعاً مخظئين. وقد حان الوقت لكسر الأنا الجبرانية».



نعمة افرام: 1,5 مليون مواطن لا يُواجهون بورقة
لم يكن خلاف رئيس التيار الوطني الحر وابنتَي رئيس الجمهورية ميراي وكلودين عون مستغرباً. ولا خروج النائب شامل روكز من تكتل لبنان القوي أيضاً. لكن المفاجأة جاءت من النائب الكسرواني نعمة افرام الذي أعلن استقالته من التكتل تحت وطأة الضغط الشعبي. وبحسب مقربين من قيادة التيار، عقد التكتل اجتماعاً في اليوم الثاني للاعتصامات ضم وزراء التكتل ونوابه، وبينهم افرام الذي قدّم مناقشة «تفصيلية للورقة الاقتصادية ولم يبد أي اختلاف بالرأي على الخطوط الرئيسية ولا أعرب عن رغبته بترك التكتل». وتلفت المصادر الى أن «جبران هو من اختار افرام وسمّاه لرئاسة لجنة الاقتصاد في المجلس النيابي وهو مركز يوزع على الكتل وليس خاصاً بالنواب المستقلين». افرام، من جهته، أكد لـ«الأخبار» أنه طالب في الجلسة الأخيرة للتكتل بإجراء تغيير حكومي أو استقالة وزراء التيار لأن «من المعيب أن نواجه ثورة مليون ونصف مليون مواطن بمجرد ورقة. ومن يصدق أن الأسماء الموجودة في الحكومة ستطبق بنود هذه الورقة. لذلك، اقترحت تغيير 10 وزراء في الحكومة حتى لا نعرّضها للاستقالة واستبدالها بأسماء مناسبة قادرة على وقف النزف الاقتصادي الذي نعاني منه». لكنّ «أحداً لم يستمع لا منذ أسبوع ولا منذ 3 أشهر. المشكلة أن أحداً لا يشعر بالتغييرات التي طرأت على حياة اللبناني، وحجم انخفاض مستوى معيشته، بل يمعن المسؤولون في سوء إدارة الأزمة وإنكارها». وعما إذا كان سيعود الى التكتل في حال موافقة التيار الوطني الحر على استقالة الحكومة والذهاب الى حكومة مصغرة؟ أجاب: «منشوف... منتلاقى عالقطعة والقوانين أحسن».