يوم الجمعة الماضي، عقدت اللجنة الوزارية الخاصة بالكهرباء اجتماعها الأول منذ إقرار مجلس الوزراء لمجموعة من البنود «الإصلاحية» التي اعتبرت أنها «تلبّي» مطالب الشعب المنتفض.

الحماسة الرسمية لهذه المقررات أوحت بأن ما تحقق يفوق الوصف، وقد يشكل انقلاباً على آليات عمل النظام بأكمله. لكن لأن الكذبة تُعرف من حجمها، فقد عُرفت كذبة مجلس الوزراء سريعاً. وبهدف إعطاء مصداقية لوعوده، لم يتردّد المجلس في تحديد مهل زمنية لكل ما قرّره.
في البند السادس من تلك المقررات، والذي يتعلق بقطاع الكهرباء، الكثير من المهل الزمنية، التي يؤكد أعضاء في اللجنة الوزارية نفسها استحالة الالتزام بها. عنوان هذه الكذبة: تأمين الكهرباء بدءاً من النصف الثاني من العام 2020 بمعدل 24/24، وإلغاء كامل عجز مؤسسة كهرباء لبنان في العام 2021.
أما خلاصتها، فهي إجراء المناقصات لبناء معامل دائمة ومؤقتة وشراء الطاقة في الزهراني وسلعاتا ودير عمار وجب جنين والجية، في وقت لا يكفي لإجراء مناقصة لشراء مولد بقدرة واحد ميغاواط، فكيف إن كان المطلوب هو عقود IPP (شراء الطاقة من منتج مستقل)، هي في طبيعتها عقود معقّدة وتحتاج إلى وقت طويل لإنجازها؟
لا بد من الإشارة بداية إلى أن مجلس الوزراء عندما وافق على دفتر الشروط وحوّله إلى إدارة المناقصات للبدء بتنفيذ المناقصة، إنما تخطى لغمين أساسين هما مطلب حركة أمل إلغاء المرحلة المؤقتة من الزهراني (خلافاً لمضمون خطة الكهرباء)، ومطلب وزارة الطاقة استبدال الأرض المخصصة لبناء المعمل في سلعاتا (خلافاً لقرارها السابق).
بحسب المقررات الحكومية، على إدارة المناقصات أن تجري المناقصة في مهلة أقصاها 15/1/2020، بعد تقصير مهل تقديم العروض، على أن يليها تقييم هذه العروض بفي مهلة أقصاها 31/1/2020، قبل أن ترفع وزارة الطاقة النتيجة إلى مجلس الوزراء خلال ثلاثة أيام. وللأخير مهلة أسبوع لبتّها، على أن يوقّع العقد، في النهاية، «في مهلة أقصاها 28/2/2020».
أربعة أشهر، هي مهلة خيالية لإجراء مناقصة من هذا النوع، خاصة أن شهرين منها ستُخصّص لتقديم العروض، وهي مدة تشمل دراسة إدارة المناقصات لدفتر الشروط وإبداء الملاحظات بشأنه ومن ثم إحالة هذه الملاحظات، إن وجدت، إلى وزارة الطاقة، التي إما توافق عليها أو ترفع الملف إلى مجلس الوزراء.
حتى مع تجاهل كل الإجراءات الإدارية، هل بالإمكان الإعلان عن المناقصة في هذه الظروف؟ وهل يمكن للشركات أن تحضّر ملفاتها في هذه الظروف؟ وهل يوجد مستثمرون مستعدون لصرف مئات ملايين الدولارات في بلد يعيش أزمة مالية واقتصادية كبيرة؟ وهل يمكن للحكومة أن تعطي ضمانات مالية لهؤلاء تتعلق بسعر الصرف تحديداً؟... كل ذلك يدل على أن مجلس الوزراء قرّر تقديم كل عوامل فشل المناقصة مسبقاً، لكنه مع ذلك لم يتردد، في الوقت الراهن، في رمي كل تلك الهواجس عن ظهره، بانتظار بدء إجراءات المناقصة. وإلى ذلك الحين، فإن المطلوب أن نصدق أن ما تحقق إنجاز كبير!

4 أشهر لتوقيع عقود الكهرباء… «مهلة مستحيلة»


لكن هذا ليس كل شيء. عملية إصلاح الكهرباء لا تنتهي عند مناقصة الإنتاج. القطاع كله بحاجة إلى نفضة، والحكومة واعية لذلك. وقد ألزمت نفسها بـ«الموافقة على مشروع قانون يتضمّن التعديلات المقترحة على قانون الكهرباء رقم 462 / 2002 وإحالته على مجلس النواب، وتعيين أعضاء الهيئة الناظمة للكهرباء خلال مهلة أقصاها أسبوعان من تاريخ إقرار القانون في مجلس النواب».
لذلك، اجتمعت اللجنة الوزارية المعنية بقطاع الكهرباء الجمعة. التعديلات المطلوبة تتعلق بدور الهيئة الناظمة تحديداً. فقد ثبت بالتجربة أن الوزراء المتعاقبين إنما تحفّظوا على الصلاحيات الواسعة التي تتمتع بها الهيئة، بحسب القانون. وفي سبيل تقليص هذه الصلاحيات، استنسخت اللجنة تجربة هيئة إدارة قطاع البترول، بحيث ستتمتع الهيئة الناظمة للكهرباء باستقلالية مالية وإدارية، لكنها ستكون تحت وصاية وزارة الطاقة. ولن يكون بمقدور الهيئة إعطاء تراخيص الإنتاج للقطاع الخاص إلا بعد عرض الأمر على مجلس الوزراء.
تبقى آلية تعيين الأعضاء. تلك آلية كفيلة بالتأكيد أن الحكومة لم تستوعب حقيقة ما يجري في الشارع. ولذلك، لم تخجل في اعتماد قاعدة 6 و6 مكرر، التي تجيدها، لاختيار الأعضاء، كما حصل في هيئة البترول. أي إن الأعضاء سيكونون ستة (كلٌ من طائفة)، يكون من بينهم كل سنة رئيس. تلك تجربة كان يتوقع أن لا تتكرر، بعدما أثبتت فشلها في هيئة البترول (بالكاد يتمكن الرئيس خلال سنة من تنفيذ رؤيته، أضف إلى أن المورّدين سيضطرون إلى التعامل كل سنة مع رئيس…)، إذا بها تُعمّم. ليس هذا مهماً بالنسبة إلى الحكومة. الأهم أن هذه الآلية أثبتت فعاليتها في الحفاظ على نظام المحاصصة. يبقى هيئتان ناظمتان، هيئة الطيران المدني وهيئة الاتصالات، فهل تتكرر المأساة نفسها؟