أغلبية المطالب الشعبية التي تُرفع في ساحتَي رياض الصلح والشهداء، أو تلك التي يُعبّر عنها الناس في يومياتهم، والتي أشعلت الانتفاضة الشعبية، من طبيعة اقتصادية واجتماعية؛ تَقَلّص القدرة الشرائية، تَعَذّر الحصول على قروض الإسكان، ارتفاع الفوائد، تدني النفقات الاستثمارية لتحسين معيشة المواطنين مقابل ارتفاع الفوائد على الدين العام، تركّز الثروة بيد 1% من المجتمع اللبناني، التضحية بحقوق المتقاعدين وموظفي القطاع العام، غياب نظام ضريبيّ عادل... إضافة إلى مطالب أخرى أنتجها النموذج الاقتصادي القائم. وفي ظلّ هذا الواقع، يبدو من البديهيات أن يكون مصرف لبنان عنواناً رئيسياً للمعترضين الطامحين إلى قلب الطاولة على من أفقروهم، وراكموا الثروات على حسابهم، فهو مُنفذ السياسة النقدية للدولة اللبنانية... و«مُهندس دَيننا».

قلّة من الشباب واظبت منذ انطلاق الانتفاضة الشعبية على رفع الصرخة بوجه سياسات حاكم «المركزي» رياض سلامة. نصبوا خيمتهم على جنب الشارع أمام المصرف، غير آبهين بأعدادهم القليلة، أو بمحاولة التضييق عليهم من كلّ مَن تربطه مصالح مع سلامة والقطاع المصرفي، أو لا يعتبر أنّ التوقيت «مُناسب» للاعتصام ضدّ «المركزي». يُصرّون على أنّهم ليسوا «ساحة بديلة» لأي من ساحات الاعتصام الأخرى، بل «مُكملين» لها، ولكن «نتوجه إلى المعقل لنوقف الغرق... سنُفلس بسبب هذه السياسات المصرفية. مال الشعب لم يعد معه»، تقول إحدى المشاركات.
«تطور» بسيط طرأ على المشهد أمام المصرف أمس، وهو انضمام مجموعات «مدنية» إلى الاعتصام أمام الفرع الرئيسي للبنك المركزي في شارع الحمرا ببيروت، والدعوة إلى وقفة أمام فروعه في الأقضية. كانوا مجموعات من تحالف «وطني»، والحزب الشيوعي اللبناني، وأفراد مُستقلين، حاملين شعارات مُطالبة «باستعادة أموالنا» (مكتوبة باللغة الانكليزية). على كرتونةٍ دُوّن أنّ «مصرف لبنان بؤرة الفساد والتآمر. رياض سلامة موظف أميركي»، رُفعت على وقع هيصات «فليسقط حُكم الدولار». تولّت نعمت بدر الدين شرح أهداف التحرك، مُعيدةً تصويب المعركة بأنّها لتحقيق «مطالبنا الاقتصادية والاجتماعية. نزلنا بسبب السياسات الاقتصادية والمالية والنقدية والبيئية الفاشلة». خوفاً من «هروب» الودائع، قرّرت المصارف (من دون ضغوط شعبية) إقفال أبوابها. هي المُتّهمة بالتسبّب في الأزمة، ولكنّها قرّرت، بعد 12 يوماً من إقفال أبوابها، أن تُلقي بالمسؤولية على المُتظاهرين، مُحمّلةً إياهم عبء أي انهيار. فكان الردّ من بدر الدين: «وقت وقفونا بالطوابير كرمال البنزين، وربطة الخبز، وتعرضنا لابتزاز من الصيارفة، وأزمة الدولار والاحتكارات، واحترقنا مع الحرائق وهني كانوا نايمين. كلّ هالشي كنا عم نراكمو». لا تحتاج القصة إلى دراسات عُليا في الاقتصاد لمعرفة أنّ سلامة، بصفته «مدير شركة الدولة»، هو «أكبر حرامي. ليش؟ لأن عم يحتكر الدولار وكلّ شي. ما حدا بيقدر يحاسبو»، هكذا يقول هذا البيروتي السبعيني، مُستريحاً أمام عربته لبيع الذرة.
دائرة القوى المُشاركة في الاعتصام اتسعت، من دون أن ينعكس ذلك ارتفاعاً في أعداد المشاركين. مُستغرب الأمر، خاصة أنّ من دعا إليه مجموعات وشخصيات تدّعي تمثيلاً شعبياً، ووجوداً مُعتبَراً في المناطق. اكتفت وجوهٌ بارزة من المجموعات بالحضور لوقت قصير، وبعض المُشاركين في الدعوة لم يحضر من الأصل. هل كان الهدف ممّا حصل «تفشيل» الاعتصام أمام المصرف المركزي وتظهير عدم وجود إجماع حول هذا العنوان؟ أم أنّ المجموعات المُشاركة أمس «دُفعت» إلى التظاهر أمام المصرف، بعد أن اتُّهمت كثيراً بأنّها تُحيّد رياض سلامة، وتنزع عنه مسؤولية ما اقترفته سياسته، فأرادت تأكيد أن لا «أجندات» تُحرّكها؟ يردّ زياد عبس بأنّ «التحرك لم يكن رمزياً، ولكن تناوبنا على المُشاركة في ما بيننا، منذ الـ11 صباحاً حتى الـ3 بعد الظهر». أما يحيى مولود فيُعيد السبب إلى أنّ المواطنين «التهوا بإقفال الطرقات».
أُعدّ للتحرك أمام «المركزي» قبل يومين من موعده، من دون النجاح في انتزاع مُوافقة أغلبية المجموعات على المشاركة.

اعتبرت «مجموعات» أنّ التوجّه صوب المصرف «انجرار خلف مطالب حزب الله»

تنوّعت الاعتراضات بين مُتحفّظ على التوقيت وبأنّ الهجوم على المصرف «ليس أولوية، فسلامة مُجرد موظف. يجب التصعيد ضدّ أركان السلطة بصفتهم أصحاب القرار». أما الاعتراض الثاني على الاعتصام أمام المصرف، فهو أن مجموعات مُعينة من الحراك ترى أنّ حزب الله هو الذي يُنظم الاعتصامات أمام «المركزي»، وبأنّه «يخلق» ساحة بديلة «لمنافسة» الخِيَم في رياض الصلح وساحة الشهداء وأمام مبنى العازارية في وسط بيروت، لذلك اعتبرت أنّ مشاركتها في تحرك ضدّ المصرف سيُعتبر «انجراراً خلف مطالب حزب الله»، وبقيت مُصرّة على موقفها، رغم أنّ الوزير محمود قماطي أعلن أنّ حزبه ليس في وارد المُطالبة بتغيير سلامة.
ما الذي ميّز «وطني» عن بقية «زملائه»، ليُقرّر أن يتوجّه صوب المصرف؟ «الهندسات المالية والفوائد المرتفعة على الدين العام، مسؤول عنهما كلّ من يضع السياسة المالية. رياض سلامة ليس مُجرد موظف، بل سوبر، وإلا لما كان يتمّ التجديد له دائماً»، يقول زياد عبس. أما بالنسبة إلى يحيى مولود، فمنذ «أول يوم، كنا نتحدث عن الهندسات المالية والإدارة المالية الخاطئة. عمق المشكلة يتمثل في حاكم المصرف والسياسات المالية التي أمّنت أرباحاً مباشرة ومجانية للمصارف، وأوصلتنا إلى هذا الوضع». بعد الوجود في الشارع لأيام عديدة، «من واجبنا أن نتحوّل صوب مراكز الفساد، ومن ضمنها مصرف لبنان. ستكون لنا تحركات باتجاه مؤسسات أخرى».