تبرز على حيطان ساحات الانتفاضة في بيروت شعارات بالعربية والإنكليزية لا توفّر استخدام الأعضاء الجنسيّة الذكريّة والأنثويّة في تمزيق «أعراض» السياسيين. السياسيون، على ذمّة الحيطان، «لصوص»، «يطأون شعوبهم كل يوم»، و«حيوانات منويّة، قد يعثر على واحد جيّد من بينها»... وإلى الشعارات على الحيطان، هناك لافتات مستقطبة للأنظار، ترفعها نساء بخاصة، ومنها واحدة تقول إنَّ «كاتبتها نسوية، لكن ذلك السياسي يستـأهل أهزوجة هيلا هو»، وثانية تطلب من الطبقة الحاكمة الراغبة في وطئها أن «تصل بها إلى نقطة الـجي سبوت». وبحجّة «النسوية»، ألّفت مجموعة من النساء أهزوجة مضادة للـ«هيلا هو» العابرة للحدود، مستعينة بالعضو الذكري في تشنيع وزير الخارجية تحديداً... يجعل ما تقدّم السؤال مشروعاً عمَّا تبدَّل في لغة الشعارات المناوئة للسلطة، والمسؤول عن إعلاء شأن الشتيمة الجنسية في الصرخات لاستعادة الحقوق المنهوبة؟



تتغذّى الشتيمة من ثقافة الشعوب؛ ممّا نراه ونسمعه، وبمستوى أقلّ ممّا نقرأه، مع تراجع حضور الكتب في حياة الغالبيّة، ولا سيّما في صفوف الطلّاب الجامعيين، وتتركّب من كل قبيح أو نقيض في ثقافة شعب ما. وإذا كان موضوع الشتم زعيماً سياسيّاً محدّداً، فإن الشتيمة الموجّهة إليه تتشابه وشتيمة زعيم سياسي آخر خصم له، باستثناء بعض الحالات التي تكون فيها الشتيمة مناطقيّة، واللهجة المستخدمة فيها قد لا تفهمها منطقة أخرى ضمن البلد الواحد، أو حتى مكتوبة بلغة إنكليزية ليقرأها متقنو هذه اللغة تحديداً، ووسائل الإعلام الغربيّة، خصوصاً أن معظم جيل الألفية على طلاق والعربية. وممّا لا شك فيه أنّ التلفزيونات ذكت الشتم من خلال برامجها الأسبوعيّة الساخرة التي تصوّب على السياسيين، وكذا هو الأمر في شأن وسائل التواصل الاجتماعي التي تعلي صوت أيّ كان، وتنشر أقواله، مهما كان مضمونها.
لم تعد الشتيمة السياسية مكلفة كما كانت عليه زمن المخابرات السوريّة في لبنان. فقد انكسرت محاذير عدة بعد سنة 2005. ومع طفرة وسائل التواصل، جاء جيل الألفيّة في انتفاضة تشرين ليجهز على هالة أو حصانة أي زعيم، ويضعه في خانة وضيعة من خلال وصفه بأوصاف شنيعة (إبن حرام، عر(.)ة، شر(.)وط...). تسلّح جيل الألفية بغضبه من أحوال البلاد المزرية، البلاد التي تشجّعه على الهجرة، ومن القرف اليومي، ومن بغضاء السياسيين، الذين أمعنوا في وعودهم الكاذبة لآبائه وله، وأفاد من فضاءي الـ «تويتر» والـ«فايسبوك»، ومن سرعة انتقال شتائمه عبر الـ«واتسآب»، ليمسي لهذه الشتائم في صفوف هذا الجيل وقع يتجاوز اللحظة الانفعالية، والتنفيس عن السخط، وصولاً إلى البروز عبر هذه المنصّات: أنا أشتم إذن أنا موجود، وشتيمتي مسموعة، ويمكنني أن أصوّب على من أريد، وقتما أرغب. ولشتيمتي متابعون، وقليل من المنتقدين من «حرّاس الأخلاق». وهؤلاء بدورهم، لا توفرهم التعليقات الساخرة، على وسائل التواصل!


كان الجدّ أو الأب يسير في التظاهرات المطلبيّة، هاتفاً «99 حرامي» ضد مجلس النواب، فجاء الابن أو الحفيد في تشرين الأول (أكتوبر) 2019 ليشتم المجلس عينه الذي توارثه الأقارب والأبناء، قائلاً: «128 عرصا»!
وعن هذه المقارنة، يقول الأستاذ في علم الاجتماع التربوي وعلم النفس الاجتماعي في الجامعة اللبنانية الدكتور طلال عتريسي لـ«الأخبار» إنّ «الناس في لبنان، ولا سيّما الإناث منهم، تجاوزوا حدود الأخلاق المتعارف عليها في السنوات الأخيرة، فهناك جرأة أخلاقيّة ملاحظة حديثاً، بدفع من وسائل التواصل». يعرّف عتريسي الشتم بـ «الحالة الانفعالية، التي تنفس عن الغضب نتيجة أوضاع شخصية أو أوضاع عامة رديئة»، لافتاً إلى أن «البذاءة لم تكن شائعة في جيل آباء المتظاهرين الذين ملأوا الساحات في سنواتهم الطالبية؛ هناك تدهور ملحوظ في الجانب الأخلاقي منذ الحرب الأهلية، وسقوط للضوابط».
جاء جيل الألفيّة في انتفاضة تشرين ليضع الزعيم في خانة وضيعة من خلال وصفه بأوصاف شنيعة


ويحمِّل عتريسي الإعلام المرئي المباشر مسؤوليّة البحث عن الشتائم في التظاهرات راهناً، وقبله وسائل التواصل التي ترفع من أهميَّة الجانب الإباحي. فوسائل التواصل تدفع بـ«ولاد الوتساب» إلى تكبير حدّ الشتيمة حتى تؤتي مردودها، ولو أن «لغة الشتائم سهلة، وأنَّ تراكم الشتائم لا يودي إلى أي مكان» وفق عتريسي.
سواء اتفقنا على مآل هذه الشتائم الجنسية السياسية أم لم نتفق، هناك لغة جديدة تنضج في الشارع، مرسلة من شباب لبنان راهناً إلى الطبقة الحاكمة. أمّا بعد، فرسم بدورة الأيام.