سعى مناصرو حركة أمل إلى ترويع المعتصمين على جسر الرينغ وفي ساحتَي الشهداء ورياض الصلح، فكانت النتيجة مزيداً من الإصرار على استكمال المعركة في وجه السلطة.

بعد إحراق الخيام وتكسير المهاجمين لكلّ ما وقعت أيديهم عليه، سرعان ما بدأت «ورشة إعادة الإعمار» في الأماكن الثلاثة ولا سيما في الساحتين. خلال ساعات، استعادت «البلد» حلّتها التي اعتادتها منذ أسبوعين. كان المتظاهرون يثبتون أن البلطجة لن تثنيهم عن إيمانهم بأن شرعية هذه السلطة سقطت في الشارع، وبالتالي، ليست استقالة الحريري سوى أحد أوجه هذا السقوط.
في موقف السيارات المحاذي لمبنى العازارية، كانت كل مجموعة قد شرعت في إعادة تثبيت ما أمكن من الخيام، على وقع تناقل أخبار وقصص المهاجمين، الذين نزلوا بالمئات، فيما كان المعتصمون بالعشرات. الدفة لم تكن متوازنة، ولذلك، تحوّلت ساحة الشهداء وموقف العازارية إلى ما يشبه الأرض المحروقة. لا شيء بقي في مكانه من منصات وخيام ومسارح وستاندات. وحدها تلك القبضة المرفوعة مقابل مسجد الأمين، وكتب عليها «ثورة»، ظلت صامدة في وجه محاولات حرقها. كل ذلك كان يحصل أمام أعين قوى الأمن والجيش الذين ملأوا الساحتين، لكنهما فضّلا ترك المهاجمين يعيثون خراباً في المكان، مقابل حماية من أمكن من المتظاهرين الصامدين.
لم يجد المهاجمون من يصدّهم، إلا في ساحة رياض الصلح. هناك حيث الشيوعيون واليساريون الموجودون فيها، دافعوا عن أنفسهم بما أمكن. وهناك، لولا القنابل المسيّلة للدموع، لكان الدم قد سال، بعدما أطبقت أعداد كبيرة من المهاجمين الخناق على المعتصمين، ومعهم مكافحة الشغب، هم الذين دخلوا إلى الساحة من المدخلين الوحيدين المفتوحين إليها (من جهة الإسكوا ومن جهة جامع محمد الأمين).
كل ذلك نُسي لحظة الاستقالة، لتحلّ محلّه الاحتفالات التي لم تعكّرها تحليلات عن عوامل خارجية وداخلية، اقتصادية وسياسية، دفعت الحريري إلى تنفيذ خطوته. وهذا لا يعني أن هؤلاء المنتفضين لا يرون هذه العوامل أو يتغاضون عنها، بقدر ما يعني، في هذه اللحظة، أنهم مؤمنون بالتغيير وبقدرتهم على التغيير. ولذلك، لن يتراجعوا عن سلميتهم وعن حقهم في التظاهر والإضراب إلى أن تتحقق مطالبهم.

لولا القنابل المسيّلة للدموع، لكان الدم قد سال في رياض الصلح


هنا، قد لا تكون المطالب واضحة تماماً، وخاصة في ظل عدم وجود قيادة للحراك أو هيئة تنسيق جامعة، لكن أجواء الاتصالات بين المجموعات المختلفة، ولا سيما تلك الموجودة في رياض الصلح وموقف العازارية، تدور حول نقاطٍ عدة:
1- استقالة الحكومة مهمة لكنها ليست كافية، ولذلك لا خروج من الشارع.
2- البديل من الحكومة المستقيلة هو حكومة مدنية تضم مجموعة من الأسماء الموثوقة، من خارج قوى السلطة، وقادرة على أن تحوز ثقة الناس.
3- استكمال التظاهرات والإضراب العام، مع عدم حسم مسألة الاستمرار في قطع الطرقات، انطلاقاً من فكرتين يتم التباحث بهما، الأولى تتعلق بضرورة الإبقاء على حالة الشلل في البلاد، لزيادة الضغط على السلطة، والثانية أنه لا ضير في مقابلة خطوة استقالة الحكومة بخطوة فتح الطرقات. أصحاب الرأي في الساحتين يضعون أمامهم هدفاً ضمنياً هو سحب البساط من تحت القوات، التي حوّلت قطع الطرقات في المناطق المسيحية إلى أداة ابتزاز لشركائها في السلطة.
4- يتم البحث أيضاً في فكرة تحميل الحكومة المقبلة مسؤولية حماية الطبقات الفقيرة والمتوسطة من مخاطر الانهيار المالي، الذي صار أمراً واقعاً.