تفرض المعطيات السياسية نفسها على ساحات التظاهرات وعلى شاشات التلفزة. بعد «استقالة سعد الحريري ليس كما قبلها»، كما قال نائب «مستقبلي» على إحدى الفضائيات السعودية. هذا ما أظهره الميدان الذي خلا نسبياً من المتظاهرين، لصالح شارع آخر غوغائي ظهر في بيروت ليلة الاستقالة، ليمارس عراضاته ويقطع الطرقات ويجري وراءه الإعلام، لا سيّما lbci التي التصقت بهؤلاء وفتحت لهم الهواء في لحظة حسّاسة يمرّ بها لبنان. وأوّل من أمس، اتّسع المشهد في طرابلس والبقاع الغربي الذي خرق مشهد الحراك الشعبي، وتحوّلت الساحات إلى حفلات تضامنية مع زعيم «المستقبل».


محتجون يقطعون الطريق عند مفرق عيات -طريق عكار العتيقة (الجديد ــ تويتر)

في اليوم نفسه، كانت قد فُتحت الطرقات بمعيّة الجيش وظلت القنوات تنقل ما يحدث على الأرض إلى ساعات ما بعد الظهر، ليتغيّر المشهد إلى برمجة عادية وعرض للمسلسلات بعيد نشرة الأخبار المسائية. بعد 13 يوماً من تحشيد وضخّ إعلاميين غير مسبوقين، وتلوين الشاشات بالأعلام اللبنانية، توقّفت التغطية المتواصلة وتراخى الإعلام المحلي في المواكبة الميدانية، وسط شائعات أعيد بثّها عن قمع تتعرّض له السلطة الرابعة وضغوط لإيقاف التغطية المباشرة اليومية. بدت الشاشات بعد الاستقالة كأنّ الحدث انتهى، فيما انسحب المراسلون وانتهت ساعات البث المباشر والهواء المفتوح طيلة الأسبوعين الماضيين، واستُئنفت الأعمال الدرامية. بينما كانت تتصاعد أصوات على السوشال ميديا، تتحدث عن غياب القنوات عن التغطية، خصوصاً بعد الإشكال الذي حصل في منطقة العبدة (عكار ــ شمال لبنان) بين الجيش اللبناني ومتظاهرين، بدأت الفيديوات بالانتشار على المنصات التفاعلية، ومنها شرائط وثّقت مباشرة ما يحدث هناك، ترافقت مع تعليقات تحريضية وأجواء مشحونة.
سريعاً، تحرّكت القنوات وقطعت بثها لتنشر الفيديوات نقلاً عن السوشال ميديا. حتى أنّ الأمر وصل أيضاً إلى الإعلام الخليجي. توزّع المشهد أوّل من أمس، بين البقاع والشمال، مع خروج رجال دين يواكبون التحرّكات التي بايعت مجدداً سعد الحريري وحجزت لنفسها جزءاً من «ساحة النور» التي كانت قد انتفضت في الأيام الماضية على كلّ المظاهر المتشدّدة وأعطت صورة جميلة عن الحراك، ليُطلق على طرابلس اسم «عروس الثورة».
استصراحات غوغائية على الهواء للمحتجين سمحت بمزيد من الشحن السياسي والمذهبي


هكذا، انتشر على السوشال ميديا مقطع مصوّر لأنصار الحريري وهم يتوسّطون الساحة الطرابلسية ويهتفون بحياته، ليسارع الإعلام ويعيد التغطية بدءاً من «الرينغ» (بيروت) التي عاد المتظاهرون إليها وصولاً إلى العبدة وطرابلس والبلدات البقاعية التي شهدت قطعاً للطرقات.
إذاً، اختلف الحدث وذهبت وجهته إلى مكان آخر. ومع انتشار الشائعات على تطبيق «واتساب» احتدمت الأجواء أكثر وعلا منسوب القلق، خصوصاً مع خروج شخصيات كانت مختفية طوال هذه الفترة لتشدّ عصب الشارع، كما فعل خالد الضاهر حين قصد ساحة العبدة. قبل ذلك، رأينا استصراحات غوغائية على الهواء للمحتجين، سمحت بإثارة مزيد من الشحن السياسي والمذهبي، خصوصاً مع إقحام حزب الله في هذه المعمعة والتحريض على الجيش. ظهر هذا الأمر لدى ربط ما حدث في وسط بيروت من اعتداء على المتظاهرين وإحراق خيمهم فيما وقفت القوى الأمنية متفرجة، بينما جرت في العبدة محاولة فضّ الاعتصام بالقوّة. هذا ما تردّد بكثرة على الشاشة الصغيرة والسوشال ميديا وأسهم في توليد أجواء مشحونة. وهذا الأمر عائد طبعاً إلى فتح هواء القنوات (على رأسها lbci) للشارع المشحون في لحظة تخلّي بعض القنوات عن مسؤوليتها الوطنية، وفلترة ما يُنشر على السوشال ميديا، وحتى ما تستصرحه على الهواء.
المسؤولية الكبرى عمّا جرى تجلت بداية في التراخي الإعلامي واعتبار أنّ ما تمرّ به البلاد انتهى مع استقالة الحريري، قبل أن نشهد فوضى وأسئلة حول المصير المجهول، وقودها الشائعات والتصاريح العشوائية.