«لم يأت الأصعب بعد». بهذه العبارة عبّر أحد المصرفيين عن نتائج اليوم الأول من فتح أبواب المصارف للجمهور بعد 12 يوم عمل على إقفالها. الأصعب يكمن في النتائج المرتقبة لفرض قيود وضوابط قاسية على التحويلات (كابيتال كونترول)، وانعكاسها على فرص استقطاب الودائع من الخارج، ويكمن أيضاً في أن المصارف تمكّنت من تأجيل التعامل مع الشركات والحسابات المرتبطة بها والتي تمثّل الجزء الأكبر من العمليات المصرفية، إلى يوم الثلاثاء، أي أنها تعاملت أمس مع صغار الزبائن فقط.

المشهد على أبواب الفروع المصرفية الـ1080 كان ”فوق العادة»، على حدّ تعبير أكثر من مصرفي. غالبية الفروع شهدت زحمة كبيرة من الزبائن بلغت ذروتها بين الساعة الثامنة والنصف صباحاً، والثانية عشرة ظهراً. واقتصرت الإشكالات الحادّة على عدد قليل من الزبائن. بعض الفروع تعرّضت لضغوط أكبر من غيرها تبعاً لحصّتها السوقية وعدد زبائنها وحجم مدّخراتهم. آلات الصرّافة الآلية في عدد كبير من الفروع جرت تعبئتها بالأموال ثلاث مرّات. أما السحب النقدي على الكونتوارات، فكان ضعفي الكمية المسحوبة في الأيام العادية. بعض مديري الفروع قالوا لـ«الأخبار“ إن كمية السحب النقدي بالدولار تضاعفت عن الأيام العادية بنسبة 100% بالحدّ الأدنى، إلى جانب طلب كبير على سحب كميات بالليرة. يقدّر أن أكثر من 60% من السحوبات النقدية كانت بالدولار ”أما الجزء المتعلق بسحب أموال بالعملة المحلية فكان عبارة عن رواتب وأجور وسحب قيمة الفوائد الناتجة من الودائع المجمّدة. وهذه الأموال تستعمل للاستهلاك اليومي من الزبائن». أما مجمل ما تم سحبه من المصارف نقداً، سواء بالليرة أم بالدولار، فقد فاق 600 مليون دولار، وفق تقديرات أوليّة لا يمكن تبنّيها بل تُعد أداة للقياس التقديري.


وعلى جانب الطلب على تحويل الأموال من لبنان إلى الخارج، فقد كان الأمر متفاوتاً بين المصارف، علماً بأن التقديرات المصرفية ذكرت أن الطلب الإجمالي كان بحدود 500 مليون دولار لأسباب تتعلق بالرهان على استقرار سياسي ما في الأيام المقبلة مقارنة مع تقديرات سابقة بأن يكون مليار دولار في اليوم الأول لفتح الأبواب. وقد تبيّن أن عمليات التحويل إلى الخارج التي نفذتها المصارف فعلياً، تفاوتت بين المصارف الكبيرة التي رفضت إجراء عمليات التحويل بالمطلق من خلال تقديم وعود للزبائن بتنفيذها خلال أسبوع أو أسبوعين، وبين المصارف الصغيرة نسبياً التي وافقت على تنفيذ العمليات جزئياً وعلى مراحل، أو بشكل كامل. ويذكر أن حصّة أكبر ثلاثة مصارف من سوق الودائع بكل العملات، بحسب بنك داتا، بلغت 78 مليار دولار في نهاية حزيران 2019، وهي توازي 41% من مجمل الودائع في المصارف، وبالتالي فإن كمية الودائع الهاربة غير واضحة ربطاً بتطورات الأيام المقبلة، علماً بأن مصرفيين أوضحوا بأن غالبية التحويلات إلى الخارج التي نفذتها المصارف أمس مرتبطة بالتزامات مبرّرة على الزبائن في الخارج جرى التدقيق في الحاجة إليها.
وكانت المصارف تواصلت خلال اليومين الماضيين مع زبائنها «الكبار»، أي الشركات التي تستنزف الجزء الأكبر من التحويلات إلى الخارج والحسابات المصرفية المجمّدة المرتبطة بهم، وأقنعتهم بأنها ستخصّص الأيام الثلاثة الأولى من فتح الفروع لقبض الرواتب وللتعامل مع صغار المودعين، طالبة منهم تأجيل طلباتهم إلى مطلع الأسبوع المقبل في انتظار استيعاب ”صدمة“ صغار الزبائن الذين يشكّلون العدد الأكبر من أصحاب الحسابات. بهذه الطريقة تكون المصارف أجّلت القسم الأكبر من الضغط المالي على شكل اعتمادات وحوالات كبيرة إلى الخارج إلى الأسبوع المقبل، فضلاً عن أنها ستتعامل مع كل زبون على حدة، أي أنها ستدرس كل حالة لوحدها ما سيتيح لها التفاوض على كل تفصيل مع كل زبون.
السحوبات النقدية بالدولار تضاعفت مقارنةً مع الأيام العادية


«مرّ هذا اليوم بأقل خسائر ممكنة في القطاع المصرفي»، وفق أحد المصرفيين. وقد استوعبت المصارف اليوم الأول لفتح أبوابها من خلال إجراءات شبه موحّدة بثلاثة عناوين:
- تحديد سقف يومي وشهري للسحوبات النقدية بالدولار وبالليرة، سواء من الصرّافات الآلية أو على الكونتوارات، وزيادة العمولات على عمليات التحويل والسحب وقبض الشيكات ما يتيح للمصارف تقييد عمليات السحب من جهة، وتحقيق أرباح إضافية من جهة ثانية.
- الضغط على الزبائن بكل الوسائل المتاحة من أجل ثنيهم عن تحويل أموالهم إلى الخارج عبر تقديم الوعود بتحويل أموالهم إلى الخارج بعد مرور ”العاصفة“ أو تحويلها على مراحل أو الامتناع كلياً عن ذلك بحجّة عدم وجود السيولة الكافية ”اليوم“ وفي حال إصرار الزبائن على سحب أموالهم من المصرف يمكن منحهم شيكات مصرفية يذهبون بها إلى مصارف أخرى من دون إمكانية تحويلها إلى الخارج.
- الإيقاف النهائي أو التقليص ضمن الحدود القصوى، لعمليات الإقراض بواسطة التسهيلات المصرفية المسمّاة (over draft). وهذا الأمر دفع الكثير من الشركات إلى تعليق توسيع مشاريعها في حال كانت قائمة، أو تقليص عمليات الإنتاج والتوزيع، والاحتفاط بسيولتها لنفسها من دون تسديد الأقساط المترتبة عليها. وهذا يعني مزيداً من الانكماش الاقتصادي في القطاعات الاقتصادية.

التحويل إلى الخارج شبه ممنوع والتعامل مع الشركات تأجّل إلى الأسبوع المقبل


وبناءً على هذه الإجراءات المتفق عليها، قرّرت بعض المصارف أن تحدّد سقفاً يتراوح بين 2000 دولار و5000 دولار أسبوعياً للسحب النقدي من كل حساب، وأن تحدّد سقوفات متعلقة بالسحب النقدي بالليرة اللبنانية أيضاً سواء من الحسابات المجمّدة التي استحقت أم من الحسابات الجارية. وتركت إدارات المصارف لكل مدير فرع، هامشاً ضيقاً من الحرية في التعامل مع الزبائن بحسب أهمية كل زبون بالنسبة إلى هذا الفرع أو ذاك.
هذه القيود القاسية الاستنسابية، أتاحت للمصارف استيعاب صدمة اليوم الأول، لكنها لا تزال قلقة من الأيام المقبلة وخصوصاً أنها لعبت على وتر عدم وجود مقاصّة في مصرف لبنان يوم الجمعة إلا إلى الساعة 11 قبل الظهر. أما عن الأثر الناتج عن هذه القيود والضوابط القاسية على عمليات السحب والتحويل، وانعكاسها على فرص استقطاب ودائع في الخارج، فهي ستكون أولوية في الأيام المقبلة في انتظار تهدئة ذعر المودعين ثم تبلور فرص المعالجة السياسية للوضع الراهن.



مُضاربات الصرّافين
صباح أمس كان سعر صرف الليرة مقابل الدولار لدى الصرافين يبلغ 1700 ليرة للدولار الواحد، إلا أنه مع تقدم ساعات النهار، سُجّل تراجعٌ في السعر ليبلغ أدناه 1570 ليرة. وبحسب التوقعات، فإن السعر قد ينخفض أكثر خلال اليومين المقبلين، إلا أنه مع معاودة الشركات نشاطها الاستيرادي الذي يشكّل طلباً إضافياً على شراء الدولار، قد يعود السعر إلى الارتفاع. وبالتالي فإن هذا التذبذب في السعر ناتج من المضاربات التي يمارسها الصرّافون.