لم يكن الفعل البطولي الذي أقدم عليه أعضاء الحركة الشبابية للتغيير باقتحام مبنى جمعيّة المصارف، الأول من نوعه. المجموعة نشطت منذ 3 سنوات، وسبق وقامت بفعل مماثل في المبنى نفسه. كما تعرّضت قبل أيام من بدء الانتفاضة الحاليّة للاعتقال امام السفارة الفرنسية، بسبب رشّها على حائط السفارة عبارات داعمة لإطلاق سراح المعتقل في السجون الفرنسيّة جورج العبدالله. رغم ذلك لم تكن الحركة معروفة، وكان فعلها «صادماً» وغير متوقّع بعد خفوت «وهج» الشغب مع انقضاء الأيام الأولى للانتفاضة. إلاّ أن «الفعل البطولي» الآخر والمتكرّر، كانت تسجّله عناصر قوى الأمن الداخلي باعتدائها الوحشيّ على عضو الحركة سليم الغضبان.

«سنعبر نحو التغيير» هي العبارة الأخيرة في البيان الذي تلاه أمس، شبان الحركة الشبابية للتغيير من داخل مبنى جمعيّة المصارف (الجميّزة). الشبان خضر أنور ومحمد نصولي وكارن هلال وحسين صقر، كانوا اقتحموا المبنى وأوصدوا بابه بالسلاسل لتلاوة بيانهم، ثم عمدت القوى الأمنية إلى اعتقالهم واقتيادهم إلى ثكنة الحلو. في هذه الأثناء، حاول رفيقهم سليم الغضبان اعتراض الاعتقال، فتعرّض للضرب الوحشي من قبل عناصر قوى الأمن الداخلي، إذ انهالوا عليه بالهراوات والضرب فيما كان الإعلام يتعرّض للتضييق ويُمنع من التصوير. المعتقلون الأربعة نقلوا معاً إلى الثكنة، بينما تواصل ضرب الغضبان، وفق شهود عيان، في باركينغ المبنى وجرى نقله إلى الثكنة منفرداً.
خلال التحقيق معهم، تمكّنت كارين من رؤية سليم، وتؤكّد «رأيته مضروباً، وجهه مشوّه نازف وبحالة غير طبيعية ولم يسمح لي بالاقتراب منه». بعد 3 ساعات من التحقيق، أخلي سبيل المعتقلين الأربعة تباعاً، وأبقي على الغضبان. ووفق المحامي نائل قائدبيه «رفضت القوى الأمنية منحنا الإذن لمشاهدة الغضبان بما يخالف المادة 47 من أصول المحاكمات الجزائية. كما صدرت إشارة عن مدعي عام التمييز القاضي غسان عويدات بأن طلب كشف الطبيب الشرعي سيكون على نفقة سليم الخاصة، مما جعل الأخير بدون وجود محامٍ يتراجع عن الطلب لعدم حيازته المال، بما يشكّل مخالفة أخرى للقانون». وتحت الإلحاح «وافق عويدات على تكليف طبيب قوى الأمن بالمهمة بما يخالف القانون كونه يفترض أن يكون طبيباً شرعياً. وبعد المشاهدة، قرّر الطبيب نقله إلى المستشفى العسكري. وقد حصلنا من عويدات على وعد بإطلاق سراحه 12 ظهر غد (اليوم)». وعد عويدات سمح للمتضامنين بفضّ اعتصامهم أمام ثكنة الحلو، بعدما قطعوا الطريق لساعات، واعدين بالتصعيد في حال لم يتم إطلاقه.
«أردنا التصويب على العدو الحقيقي للفقراء المتمثّل بجمعية المصارف والهيئات الاقتصادية»، هو مختصر خضر أنور لـ«العمليّة الضرورية للتصويب على الصراع الحقيقي وهو الصراع الطبقي». ويضيف «نحن حركة سياسية تأسست عام 2016 ونؤمن بالأعمال المماثلة وشعارنا هو العدالة الاجتماعية والتحرّر الوطني. قبل عام أقفلنا مثلاً جمعية المصارف». تزامناً مع الاقتحام بثّ عبر صفحة الحركة على «فايسبوك» فيديو مسجّل يعلن عن العمليّة. والفيديو الذي يذكّر بتسجيلات الفدائيين، كان ضرورياً «لأننا ندرك شراسة أجهزة الدولة للدفاع عن أهميّة الجمعية والهيئات الاقتصادية». التردّد لم يكن موجوداً «على العكس كان لدينا وعي لخطورة المسألة، لكننا أمام انتفاضة شعبيّة ولا يمكن التراجع. الوعي للفروقات الطبقية ظهر جلياً في هذه الانتفاضة، والحقد الطبقي تمثّل بالعنف الذي وجّه إلى سوليدير كشركة خاصة في اليومين الأولين من الانتفاضة لأنها استنزفت دمّ الفقراء».

«سنعبر نحو التغيير» هي العبارة الأخيرة في بيان تلاه شبان الحركة الشبابية للتغيير من داخل مبنى الجمعيّة


قبل الانتفاضة بيومين «اعتقلنا أمام السفارة الفرنسية وخضعنا للتحقيق وخرجنا بسند إقامة بعدم التعرض للسفارة مجدداً» تشرح كارين هلال، مشدّدة على أن الحركة «مصرّة على الدخول إلى عقر دار الفساد». الفيديو التوثيقي المسجّل «ضروري لأننا لا نعرف ماذا تفعل بنا السلطة. ممكن تقتلنا!». فعل كارين يأتي «من خلفية عائليّة إذ إن الاستشهاديّة سناء محيدلي قريبتي لجهة والدي، والأسير المحرّر أنور ياسين قريبي لجهة أمي. والتغيير لا يحدث بيوم واحد، لكننا نودّ ترك رسالة للأجيال المقبلة أننا حاولنا». كارين الثوريّة تركت عملها مؤخراً «لأنني اضطررت إلى مواجهة ظروف العمل غير العادلة والظلم والطرد التعسفي لبعض الزملاء. أنا اليوم عاطلة عن العمل المأجور لكنني أقوم بعمل أتقاضى مقابله كرامة». إلى جانب كارين في خيمة الاعتصام برياض الصلح، جلست والدتها ملتحفة بالكوفية الفلسطينية، الوالدة ذات التاريخ النضالي الشيوعي تشعر أنها سلّمت الشعلة لابنتها فخورة بها «أرى فيهم النبض النضالي والجرأة والوضوح، بيرفعوا الراس كل عناصر الحركة وأعرفهم جميعاً».
البيان الذي تلي من داخل مبنى جمعية المصارف اتهمها بأنها «حزب الأغنياء بتحالفها الطبقي مع السلطة السياسية بوجه الفقراء، وإصدارها منذ 1992 قوانين ومراسيم تشرّع امتصاص دم الفقراء وتكديسه الثروات على حساب الأغلبية المسحوقة». وأعلن «بدء المعركة مع حيتان المال للتصويب على مطالب يفترض بأي حكومة جديدة تنفيذها». والمطالب تمثّلت بـ«تحويل القروض الشخصية والسكنية من الدولار الى الليرة اللبنانية، إعادة هيكلة القروض الشخصيّة والسكنيّة لأصحاب الدخل المحدود والفقراء ضمن سقوف معيّنة دون أي فوائد اضافية لأنه من غير المقبول أن يدفع الفقراء ثمن أزماتكم وسياساتكم الفاشلة، تحرير اقتصادنا من الدولار والتعامل الداخلي بعملتنا الوطنية». وأخيراً «استرداد الاموال التي نهبتها المصارف عبر الهندسات المالية وكل الأرباح الخيالية وغير المشروعة».
قوى الأمن ردّت مساء في بيان واعدة بتحقيق مسلكي، مشيرة إلى أن الغضبان «قام باعتراض الدورية أثناء اقتياد من اقتحموا مبنى الجمعية، وتفوّه بعبارات نابية بحق العناصر. رغم قيامهم بردعه بطريقة سلميّة، أقدم على لكم أحدهم على وجهه وإيذائه -نال تعطيل يومين عن العمل- مما أدّى إلى ردّة فعل غير مبرّرة من قبل عدد من العناصر الذين قاموا بضربه واستعمال القوة المفرطة تجاهه في مخالفة صريحة لتعليمات قوى الأمن».