الصلاة للنيزك أو الدعوة لأن يتوقف الكوكب ويُنزلك عنه لتركب كوكباً آخر يناسبك أكثر، هي من صرخات الإحباط الرائجة عالمياً في هذه المرحلة من الرأسمالية المتقدّمة، وهي تعلو في دول الجنوب العالمي كما في شماله الغني. أخبار العالم بشعة وتسوء سنة بعد سنة. فهناك حروب وفقر و«تخلّف» واضطهاد وظلم وعدم مساواة ووحوش جشعة و«درونز» قاتلة، وطبعاً الشغل الشاغل لنخب الشمال؛ الاحتباس الحراري والمصاصات البلاستيكية. فما الذي يمكنك أن تفعله أنت كفرد وحيد صفيّ نقيّ إلّا الدعاء لتنعم عليك السماء بنيزكٍ يبيد البشرية وبشاعتها؟ على المستوى المحلّي، يتكرّر المشهد مع كلّ صورة أو مثال عن عجز الدولة على مدى العهود مع تفاوت قوّتها، وتتبعه الإهانات للشعب الذي يُلام على اختياره لهذه الطبقة الحاكمة من خلال ممارسته حقّه الديمقراطي. والوصف الأغلب استعمالاً هو نعت أكثرية الناخبين بالغنم. طبعاً هذه الأكثرية هي جمهور تحالف أحزاب السلطة (المستقيلة حتى إشعار آخر). وهذه السلطة أقلّ ما يمكن القول عنها هو أنها فاسدة وفاشلة وتعتاش على مصّ دماء سكان لبنان، مواطنين كانوا أم ضيوفاً.

الانتفاضة الشعبية التي يشهدها لبنان منذ ثلاثة أسابيع هي النيزك الذي كان كثيرون يرجون أن يضرب لبنان ويغيّر ملامحه. فجأة لبنان المقرف أصبح جميلاً بوحدة شعبه. خلع الغنم صوفه وحقّق قفزات تطوّرية تضرب الداروينية بعرض حائطٍ هوى أمام جرف ثوارٍ محبّين وواعين وقادرين، ظهروا لحسن حظنا عندما كان البلد يلفظ أنفاسه الأخيرة ليبثّوا فيه حياةً جديدة. سبحانك يا نيزك. الصورة على المستوى الواسع فسيفساءٌ جميلةٌ جداً وتصديقها بكامل تناقضاتها أسهل الطرق إلى السعادة. استُجيب دعاؤنا وأتتنا ثورة لتنقذنا وتنقلنا إلى كوكب أفضل، وما علينا إلّا أن نصمد بضعة أيام في وجه بلطجة الأحزاب والقوى الأمنية، لكنّهم سيسقطون لا محال أمام شعب ثار ولن يعود إلى قمقمه. لكن إن كنتَ من هواة النكد وتمعّنت في الموزاييك، أو نظرتَ إلى محيطك المباشر مثلاً، فإنّك ترى صورة مختلفة تماماً. تساءلت قبل أيامٍ إن كان الإحباط الثوري يولّد حقداً على الأقربين، أم أن الحقد هذا يؤدي إلى الإحباط الحتمي للثورة. في هذه الأجواء الثورية تجد أصدقاء وزملاء ورفاقاً يجاهرون بتشحيلهم للمقرّبين وفقاً لنقائهم الثوري وفقاعاتٍ تضيق بدلاً من أن تفقع وتزول. كما ترى انتهازيين وتسلقيين يحاولون قطف المكاسب في ثورة بلا واجهات ولا قيادات (إلا هم طبعاً)، كل ذلك في وقت تعيد السلطة تشكيل نفسها بحلّة يُرجى أن تكون أقل وقاحة من سابقتها. عندها يعود اليأس والصلاة لنيزكٍ جديدٍ، خاصة أننا قادمون على مرحلة اقتصادية صعبة جداً. الحل لن يأتي من السماء، وإذا كنت تنتظر ذلك فهناك من سبقك بقرون إلى هذا المعتقد، وهو أكثر تصالحاً مع ذاته ومع عذابه وتضحياته في حياته الفانية إذ يراكم لحياة أبدية في جنة بعيدة من هنا، وهو لا يحتاج لليوغا واللايف كوتشينغ ليتعامل مع الـ«أنكزاييتي»، فهناك منظومات روحية أثبتت فعاليتها عبر الأجيال، ومعظمها صناعة محلية صدّرناها إلى أقاصي العالم. (على الهامش، أكثر مشهد يحزنني في غابات فنزويلا الأمازونية هو الانتشار الكبير للإرساليات الرجعية التي تناهض بمعظمها الثورة البوليفارية، لكن هذا الحديث ليوم آخر). طبعاً لدينا إرسالياتنا التي لا تقلّ حزناً ولا رجعية، والمتمثّلة بصناديق نشر الحقوق والديمقراطية، وهذا أيضاً حديث مطوّل نعود إليه لاحقاً.
الثورة لا تهبط من السماء، بل تُصنع من ناسٍ ومسارٍ سياسي طويل لا توجد فيه زوربة أو اختصار لمسافات. طبعاً نحن اليوم نواجه ظروفاً تستدعي الثورة ولا بد من الاستفادة منها، لكن السؤال هو كيف؟ في أحد النقاشات السياسية الذي كانت تقوم به رفيقة في إحدى المجموعات اليسارية الهوى، حضر شابٌ منتفضٌ وقال: «لا نريد سياسة ولا أحزاباً هنا»، المشهد تكرر بصيغ مختلفة في عدة أماكن أخرى وعلى الشاشات.

يستحيل المراكمة والاستقطاب والعمل الجماعي المتقن من دون الانتظام بطريقة ما

قد يبدو ربط الواقع المزري بالسياسة والأحزاب طبيعياً لجيل لم يُسيَّس قصداً، ومُيِّع مفهوم السياسة عنده على مدى ثلاثة عقود. حتى فكرة ثورة لا قائد لها ليست بريئة، إذ تتيح للمنظَّمين والانتهازيين قطف مكتسبات احتجاجات وضغط الشارع. في نهاية المطاف لا مفرّ من الانتظام، فهذه ليست أول انتفاضة شعبية تمرّ علينا وندرك جيداً من حصد في السابق. قد تكون «هذه المرة غير» لكن «مش لهالدرجة غير». في الانتخابات النيابية الأخيرة، كانت نسبة الاقتراع عالية جداً إذا ما أخذنا في الاعتبار نسبة المقيمين في البلد، وهي أنتجت هذه السلطة ولم تكن هناك أغلبية صامتة كما يدّعي البعض. وكان الخرقان الوحيدان لمليونير بيروتي وإعلامية تسلّقية. الكثير من المشاركين في الانتفاضة في الشارع شاركوا في الانتخابات ويدركون جيداً مدى صعوبة استقطاب المناصرين والأصوات، وهم حالياً يحاولون فعل ذلك مع شباب يكتشف السياسة لأول مرة في الساحات. هكذا تؤسّس نواة الثورة إذ أنه لا بديل عن الأحزاب والعمل السياسي. المنظومة الحزبية تعلّم الناس العمل الجماعي والتعامل مع الآخر والمحاسبة والمساءلة واستيعاب أكبر عدد ممكن من الناس وإيجاد أرضية مشتركة وجامعة وتوزيع الأدوار لتحقيق أهداف استراتيجية. كما هي الرادع للأنانية والتسلقية وأهم شيء الإحباط المزمن. حتى حبيب الجماهير جبران باسيل لم يرتقِ إلى منصبه لأنه صهر الرئيس فقط، بل وصل إليه جرّاء عمله وجهده التنظيمي في تياره (على حساب أصهرة وأقارب آخرين للرئيس بطبيعة الحال).
طبعاً العمل الحزبي لا يضمن النجاح. إذ قد تكون تنظيماً فاشلاً، ولدينا في لبنان أمثلة كثيرة عمر بعضها أكبر من عمر الوطن، لكن يستحيل المراكمة والاستقطاب والعمل الجماعي المتقن من دون الانتظام بطريقة ما. منذ بروز ظاهرة الناشط السياسي لم يظهر أيّ بديل جدّي للأحزاب، جيل كامل حاول إعادة اختراع الدولاب وفشل. الفرصة متاحة اليوم، لا بل الفرصة متاحة دوماً للثورة، فالعمل السياسي الجدّي يصنع فرصه ولا ينتظر أن تمنحه إياها السلطة أو أن تهبط إليه نيزكاً مدمراً. هذا الجيل باقٍ وعلى الأرجح باقٍ بلا عمل، فإما يكون وقود الثورة أو يصبح وقود حرب، فحيّ على خير العمل… الحزبي.