ليست هذه النهاية الحكومية التي كان يتوقعها أو يريدها الرئيس نبيه بري أو حزب الله، منذ ما قبل استقالة الرئيس سعد الحريري، وصولاً الى اللحظة التي أيقن فيها الطرفان أن الحريري بات خارج السباق الحكومي. كثيرة هي الاعتبارات التي أودت الى هذه النتيجة، منها الدولي والمحلي. لكن، في المحصلة الاولى لكل المسار، وبغض النظر عن الانهيار السياسي والأمني والمالي، فإنه للمرة الاولى منذ تأليف حكومة الرئيس تمام سلام، عادت اللغة المذهبية الى الشارع، وعاد شبح التوتر السنّي - الشيعي الى الواجهة، وهو الأمر الذي كان من صلب التسوية الرئاسية - الحكومية، وفي صلب إصرار حزب الله أخيراً على عودة الحريري الى السراي، في موازاة استعادة جو توتر طائفي على خلفية عدم تسمية القوى المسيحية له.

ليس مبالغة ما يردده بعض المستقبليين، ومن يدور في فلكهم من كوادر، حين يعتبرون أن ما حصل في بعض شوارع في بيروت وخارج العاصمة، بعيداً عن الحركة الشعبية الحقيقية، دلّ للمرة الاولى على وجود فرصة حقيقية للرد على 7 أيار. هذا يعني، في مكان ما، ثمة خوف من أن يتقلص حجم التفلت الطائفي الكبير الذي عكسه المتظاهرون في الأسابيع الاولى خارج كل سياق طائفي، في بيروت وطرابلس والجنوب والبقاع، تحت وطأة الضغط السياسي الذي مورس في الأسابيع القليلة الماضية. ففي موازاة التظاهرات ومطالبها، برزت أطر سياسية جهدت لتأكيد استمرارية حضورها تحت عنوان المحافظة على نتائج الانتخابات النيابية والحضور السياسي، والتوزع الطائفي والمذهبي، حتى من خلال تأليف حكومة تكنوقراط والتلويح بإعطاء المتظاهرين حصة وزارية مناصفة بين مسلمين ومسيحيين.
مع استقالة الحريري والطريقة التي حرقت فيها أسماء البدلاء منه، اشتد الكباش السياسي تحت غطاء طائفي؛ بدأ أولاً بالحديث عن صلاحيات رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة وحقوق كل منهما، ومن ثم الضغط العنفي في الشارع، لا سيما في بيروت، حيث برزت للمرة الأولى ملامح جدية لمواجهات طائفية سنية - شيعية، وبروز توتر طائفي مسيحي - اسلامي شيعي بعد حادثة عين الرمانة - الشياح، لتظهر لاحقاً، أيضاً، ملامح كباش مسيحي - اسلامي سنّي نتيجة اتهام تيار المستقبل والحريري المسيحيين، ممثلين بالتيار الوطني والقوات اللبنانية، بمخالفة توجه دار الفتوى تحديداً في تغطية رئيس الحكومة السنّي، وما اعتمد في تسمية الرئيس ميشال عون للإتيان به الرئيس الأقوى في بيئته، وما لحقه من كلام عن الميثاقية وضرورة تطبيقها في الاستشارات والتسمية، قبل التأليف.
هذه النتائج الأولى التي أسفر عنها مسلسل الأحداث، ليست قليلة بارتدادها الفعلي، ولن يكون تأليف الحكومة بالطريقة التي اختير بها رئيسها، إلا بمثابة صبّ الزيت على النار، لجهة الفريق الذي يعتبر أنه أُقصِيَ مجدداً عن الحكم وبطريقة أكثر حدة من ذي قبل، ليس من جانب فريق 8 آذار وحده، بل من جانب حزب الله كطرف شيعي والقوى المسيحية معاً. ردّ فعل تيار المستقبل والحريري على القوات سيحمل مجدداً بوادر داخلية تحتاج إلى وقت لتخطيها فعلياً، خصوصاً أن الطرفين لم يُنهِيا العالق بينهما منذ انحياز الحريري الى التيار. قد يكون ما يشفع فيها بعض الشيء أن نفوذ المستقبل في الشارع السنّي لم يعد هو نفسه الذي كان قبل سنوات، إضافة الى أن التغطية الخليجية لموقف القوات عموماً يُسهِم في تخفيف هذا الضغط. أما العلاقة مع التيار فستحمل أبعاداً أخرى، خصوصاً أن القاعدتين لم تتمكنا من حياكة نسيج مماثل لما كان بين الحريري ورئيس التيار الوزير جبران باسيل من شراكات متنوعة، وهذا الامر سيجعل تيار المستقبل للمرة الاولى من عام 2005 من دون حليف مسيحي.
في موازاة ذلك، سيكون مستقبل العلاقة السنية - الشيعية الأكثر معاينة من الآن فصاعداً، داخلياً وإقليمياً، لأنه كان العنوان الاساسي الذي انطلق منه الثنائي الشيعي في طرحه حكومة جامعة سياسية، إضافة الى البعد الاستراتيجي للأزمة اللبنانية. تكرار الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله، مرات عديدة في كل خطبه منذ 17 تشرين الاول، السعي الى هذا الشكل من الحكومة، جوبه وبتأكيده بنفسه بسعي حلفاء له الى حكومة من لون واحد. لكن النتيجة أن هذا ما سيكون عليه شكل الحكومة العتيدة، ولو سمّيت فيها شخصيات متنوعة، بعدما امتنعت غالبية النواب السنّة عن التسمية كما القوات اللبنانية والمستقلون. هذه الحكومة التي كان بري يتحاشاها الى اللحظة الاخيرة، متقبّلاً فكرة احتضان تسمية شخصيات رفضها حزب الله نهائياً، لن تكون حتى كما حكومة الرئيس نجيب ميقاتي بعد تطيير حكومة الحريري الاولى، وستؤجّج خلافات دفينة، مهما كان السبب وراء تأليفها أو عرقلة قيام غيرها، واشنطن أو السعودية أو ايران. رغم أن سياسيين تحدثوا أمس عن سعي الثنائي الشيعي لمحاولة تخفيف الأضرار قدر الامكان بعد كثافة الارتدادات الطائفية غير المحسوبة.
كذلك ستجدد الانقسام الحاد، عمودياً وأفقياً، بعدما نجح رئيس الجمهورية، الذي عاد ليكون احد اركان قوى 8 آذار، في إبعاد الحريري، ليطرح تأليف الحكومة الاولى «الحقيقية» في عهده، بسلطة كاملة له، وتعويم فريقه السياسي، بعدما بدا للبعض، سياسيين ومتظاهرين، أن هذا الفريق خسر للمرة الاولى وسيخرج من المشهد السياسي. الأكيد أن هذا الفريق خسر، بمجرد أن وصلت البلاد الى مستوى غير مسبوق من الانهيار في هذا العهد. لكن الحكومة المقبلة بالتسهيلات التي تعطى لتأليفها، ستكون مناسبة لإعادة تنشيطه واللعب من خلف الستارة بكل مقدراتها، خصوصاً أنها لم تنل الثقة وظلت حكومة تصريف اعمال. فالرئيس المكلف الجديد، الآتي من خلفية معروفة، سيكون طيّعاً في حكومته الاولى، في التماهي مع الذين سمّوه وأعدّوا سلفاً تشكيلته الحكومية التي بدأ الحديث عمّن سيكون فيها، إزاء اصطفاف جديد، من قوى سياسية وحزبية ومستقلين، الرافضين لهذه الحكومة بالمعايير التي انطلقت منها، من دون أن ننسى حركة المتظاهرين، في انتظار معرفة أسلوب الحكومة الجديدة في التعامل معها. وهذا كله يفتح الباب مجدداً على أزمات من نوع آخر تدفع اكثر في اتجاه النفق المظلم.