الأزعر في اللغة العربية هو السيّئ الخلق أو الإنسان الذي قلّ خيره. أمّا الحقل الأزعر فهو الذي قلّ نباته. يصادف أن هذا التعريف ينطبق على حقل الاقتصاد الرقمي في لبنان والمتاجرين فيه. القصة كما كل قصة رعب وترهيب في لبنان تبدأ بمشروع عقاري والمصارف.

في أوج الأزمة السورية والنأي بالنفس اللبناني، ارتأى البعض في لبنان أن تلك هي الفرصة المثلى للاستثمار في اقتصاد المعرفة في لبنان من أجل تحريك تلك العجلة اللعينة (التي بدأ ينتابني الشك أنها ليست مدوّرة)، وترجمة العبقرية اللبنانية إلى مليارات من الدولارات الوافدة إلى شركات نشأت هنا وغزت العالم بابتكاراتها الرقمية والإبداع اللبناني المبرمج في جيناتنا. المعرفة، وبطبيعة الحال اقتصادها، كنز لا يفنى، إلا إذا وضع يده عليه القطاع المصرفي اللبناني، فحينها يفنى بتفانٍ.
مشكلة هذا القطاع على المستوى العالمي هي أن نسبة فشل الشركات الناشئة فيه عالية جداً، لكنه لا يزال يجذب الصناديق الاستثمارية التي توزع المخاطر على استثمارات عدة، على أمل أن تكون أحد المشاريع المستثمر فيها مجدية أو على شاكلة غوغل أو فيسبوك إن كانوا محظوظين. هنا نتحدّث عن بلدان توجد فيها بيئة حاضنة وداعمة ومحفّزة، وأهم شيء مجهزة بكل ما يحتاج إليه هذا القطاع، ورغم كل ذلك تبقى نسبة الفشل عالية جداً. لذلك يُفهم توجّس المستثمرين من الرمي بأموالهم في قطاع كثير المخاطر أصلاً، فما بالك في بلد مثل لبنان حيث الخدمات والتجهيزات رديئة والدعم والحضانة غائبتان. لكن القطاع المصرفي هنا يحب لبنان كثيراً، ويكفي أن تشاهدوا إعلانات البنوك خلال تغطية التلفزيونات الثورية لتعرفوا حجم هذا الحب. البنوك تريد الاستثمار في شباب لبنان حتى خشمه وخلق فرص العمل لهم، لكن المخاطر مرتفعة جداً، فما العمل؟
الحل دائماً عند مصرف لبنان وحكمة حاكمه. في سنة 2013، أصدر مصرف لبنان التعميم الرقم 331 وهو عبارة عن بضعة سطور ممهورة بإمضاء الحاكم كانت كفيلة بإزالة كل مخاوف المصارف حول مخاطر حقل ألغام الاقتصاد الرقمي وتحويله إلى مرج أخضر من الدولار. في المبدأ، ينص التعميم الرقم 331 على ضخ 400 مليون دولار معفاة من الفائدة لفترة 7 سنين تستعملها المصارف لشراء سندات خزينة تدرّ عليها 7٪ فائدة سنوية، على أن تستثمر قيمة مماثلة في الشركات الناشئة في اقتصاد المعرفة أو الشركات الداعمة لها. فوق كل ذلك، يضمن مصرف لبنان 75٪ من المبلغ المستثمر في حال إفلاس الشركات التي سيفشل معظمها حتماً وفق معطيات السوق. إذاً أخذ مصرف لبنان على عاتقه، وهنا يجب أن نذكّر بأن عاتق مصرف لبنان ما هو إلا جيوب الشعب اللبناني، مسؤولية إزالة المخاطر شتّى وتحمّل خسارات هذه الاستثمارات العالية المخاطر، وأصبح هاجس المصرف المستثمر الوحيد هو ألّا تفلس الشركة الناشئة قبل السنة الرابعة من إنشائها بعد أن يكون قد ضمن استرجاع استثماره بالكامل. هكذا يدخل المصرف في استثمار ذي مخاطر عالية من دون أن يخاطر بأي من ماله ومن دون أن يخسر أي شيء (إلا طبعاً فرصة الاستثمار في منتج مالي أكثر إغراءً قد يصدر في فترة الاستثمار عن قسم الهندسة في البنك المركزي).
مع توفّر المال، بانت البقعة الجغرافية المثلى لاستضافة هذا المشروع وهي في منطقة الخندق الغميق التي أعيدت تسميتها بـ«بيروت الرقمية» أسوةً بـ«بيروت الوهمية» التي تحدها من الشمال ويمكن الولوج إليها إما من فوق أو من تحت جسر الرينغ. لكن الاسم المنتشر لهذه المنطقة هو «بيروت ديجيتال دستريكت»، أو «بي دي دي»، لأنه يبدو أن اقتصاد المعرفة لا يعرف النطق إلا باللغة الإنكليزية. تغيب اللغة العربية عن موقع «بي دي دي» ومنصاتها الاجتماعية، بينما تضاهي نسبة التغطية الإعلامية لمشاريع التعميم الرقم 331 باللغة الإنكليزية نسبة فشل الشركات الناشئة في هذا القطاع.
في هذا السياق نشرت مجلة إكزيكيوتيف اللبنانية العام الماضي تقريراً مفصلاً عن أكبر عملية إفلاس شهدتها منظومة التعميم الرقم 331 بقلم أولغا الهبر وتوماس شيلين يُنصح بقراءته وترجمته إلى العربية. يتفاجأ الكاتبان بأن أبطال هذه العملية أجابوهما عن أسئلتهما (يذكرني ذلك بمقابلة أجرتها مجلة بلايبوي الشهيرة مع وليد جنبلاط في عام 1984 حيث يغدق جنبلاط بإهانة مناصريه بما أنهم لن يقرأوا المقابلة). يضع مؤسس الشركة فشله على إعصار ضرب نيويورك، بينما يتقاذف أصحاب الصناديق الاستثمارية الشريكة التهم والإهانات. الخبرية مضحكة جداً لولا ملايين الدولارات من الخسائر التي كبدتها للخزينة اللبنانية. هي صياغة حديثة لتجارة جحا بالبيض، إذ ظن أحدهم بأن بيع الكتب النادرة على الإنترنت يستحق استثمارات بلغت 24 مليون دولار. لن ندخل في مناقشة سوق الكتب النادرة ولا في أسماء الأشخاص الذين استفادوا من القروض المضمونة وروابطهم بالسلطة وزعرانها، لأن، في النهاية، الأفراد هنا هم أسفل الهرم في منظومة خُلقت على أساس أنها للاستثمار في حقل اقتصاد المعرفة الأزعر، بينما كان القائمون عليها يعرفون جيداً أنه سيفشل إلا في إشغال عقارات كانت ستبقى شاغرة لولا هذه البدعة. طبعاً «مش غلط» استغلال الـ 400 مليون دولار المضمونة ليتسلّى البعض باختبار أفكار هستيرية، علّ إحداها «تنقش» وتجني المليارات. غرّد حساب الـ«بي دي دي» الأسبوع الفائت قولاً (بالإنكليزية طبعاً) للممثلة (الإنكليزية طبعاً) جولي أندروز يقول «المثابرة هي أن تفشل 19 مرة وتنجح في المرّة العشرين». نسي مدير الصفحة أن يذكر أن من المفضّل أن يكون فشلك مموّلاً من مال الشعب.
في تقرير أعدّه البنك الدولي عام 2016 عن النظام البيئي للشركات الناشئة في قطاع التكنولوجيا، أقرّ رواد الأعمال الذين قابلهم معدّو التقرير بأن التعميم الرقم 331 قد يكون أفاد مؤسسات مالية أكثر من الشركات الناشئة، إذ ساهم في الاستثمار الزائد في شركات ناشئة لا تملك مكونات النجاح. كما أضاف أحدهم إنه لم يعد بإمكانك إيجاد موظفين في قطاع التكنولوجيا إذ أصبحوا جميعهم رواد أعمال ممولين بفضل التعميم الرقم 331.
في التقرير نفسه يوجد تحليل للتشبيك في هذه البيئة ويقارنه بمدن أخرى (القاهرة وميديين الكولومبية)، إذ يعتبر التشبيك أحد أهم العوامل التي تساعد في مواجهة المخاطر الضخمة في القطاع. «بي دي دي» تروّج لفكرة أنها المكان الأمثل لهذا التشبيك. في تحليل نتائج هذه الدراسة، يظهر بوضوح تفوّق ميديين إسكوبار على قاهرة السيسي، لكن الأكثر وضوحاً في الرسم البياني الذي يجسّد وضع التشبيك (أو بالأحرى غيابه) في لبنان هو أن كل مكونات هذه البيئة تدور في فلك بوطة التعميم الرقم 331 وأمواله. يحاجج التقرير أن تبنّي مصرف لبنان للمخاطر حصر الاستثمار في القطاع بالمستفيدين من المنظومة لأنه لا يمكن لآخرين تحمّل مخاطر لا يواجهها منافسوهم. مشاكل أخرى برزت مع الوقت وهي غياب القدرات البشرية والتعليم اللازم ومسرعات الأعمال وغيرها من المتطلبات لإنجاح هكذا قطاع ولا توجد مساحة على هذه الصفحة للتعمّق في الموضوع. لكن أين الإعلام في تغطية هذه «الزعرنات»؟

تركز الكاميرات على من يخرج من الخندق لا على ما يدخله


تلفزيون لبنان يبث برنامجاً ترويجياً أسبوعياً بعنوان «Startup 331». مجلة إكزيكيوتيف هي أكثر من يواكب المبادرات الناشئة. لكن بشكل عام، تغيب أرقام الأرباح والخسائر الناتجة من هذا التعميم. في زمن البث المباشر المفتوح من على جسر الرينغ، لم يسأل أي من المراسلين كم كلّفت جدارية خورخي رودريغيز خيرادا التي تزين المبنى الفاصل بين الخندق الرقمي عن الخندق البشري، علماً بأن بعض أعمال هذا الفنان حول العالم كلّفت مئات آلاف الدولارات. في مقابلة مع موقع «ومضة»، يقول المدير العام لـ«بي دي دي» إن المستأجرين يحظون بأسعار خدمات مدعومة من الدولة، فهل تحصل شركة «أوبر» ذات الصيت العاطل عالمياً على دعم من الدولة اللبنانية رغم أنها تشكل منافسة طاحنة للمبادرات الرقمية المحلية؟
تركز الكاميرات على من يخرج من الخندق لا على ما يدخله. كيف ستكون الصورة لو فتحت المحطات الهواء على مدى الأسابيع لتسليط الضوء على أن مئات الملايين من المال العام أنفقت لتمويل مشاريع خاصة فاشلة في الخندق الغميق، وهي بالمناسبة تتضمن ملاعب رياضية وإنترنت سريعاً وخدمات يحلم بها من يسكن خلف الجدارية.
على كل حال… يسقط يسقط حكم الأزعر!