كما في كل مرة، يفترض من يعملون مع الولايات المتحدة أن واشنطن تعمل في خدمتهم. لذلك، وإذا ما تراجعت خطوة الى الخلف، يتهمونها بالخيانة والخذلان، أو بعقد صفقة حتمية مع خصومهم، وهم - في حالتنا - إيران وحلفاؤها في لبنان. أما ما لن يحصل، فهو إقرار من يفترض نفسه حليفاً لأميركا، بأنه واهم ويفترض لنفسه موقعاً ليس له أساساً.

لم يكن ديفيد هيل لطيفاً كما روّج كثيرون. بل كان عاكساً لحقيقة موقع إدارته في هذه اللحظة السياسية. انتظر الرجل وإدارته ستين يوماً قبل أن يأتي الى لبنان. انتظر أن تحترق بيروت تحت أقدام خصوم أميركا وخصوم 14 آذار. لكن الإحباط أصابه، وهو يكرّر لوم نفسه على استمرار الرهان على مجموعات وقوى لبنانية لم تنفّذ يوماً مهمة واحدة بنجاح. انتظر هيل وإدارته كل القوى التي تطوعت وكتبت ونظّرت لتغيير جذري يطيح السلطة التي تعطي أذنها لإيران وحزب الله، ويأتي بسلطة «تحظى بثقة المجتمع الدولي». طال الانتظار. وفيما كانت الشاشات تقدم المشهد اللبناني على أنه انقلاب عام، كانت السفارة الاميركية في بيروت تكتب تقارير مغايرة حول ما يحصل، إذ يعرف فريق السفارة حقيقة الوضع تماماً. والنقاش داخل الأجهزة الاميركية المختلفة حول لبنان لم ينته الى انتصار وجهة على أخرى، بل انتصر الموقف السابق الذي يقول بالسعي الى إدارة الازمة بأقل الخسائر الممكنة. جاء هيل وقد فقد أوراقاً كثيرة، من ورقة سعد الحريري الذي تحتاج عودته الى السراي الى حرب أهلية، الى ورقة الجيش اللبناني الذي كاد يتحول مشكلة لا حلاً كما افترض البعض، مروراً بالمنظمات غير الحكومية التي توهمت أن المسرح خلا لها مكان الدولة والقوى الاساسية. جاء هيل، وقد فقد أيضاً كتلة من رجال الاعمال والمصالح المرتبطين عضوياً بالغرب وسياساته، وسمع غضبهم على كل شيء، وعلى سياسات إدارته والعقوبات التي أصابت غالبية الناس قبل أن تنال من حزب الله. جاء هيل، وهو مضطر إلى التعامل مع الوقائع اللبنانية كما هي، لا كما صوّرها مراهقون تناوبوا على منصات في لبنان والخارج وهم يزرعون الأوهام على شكل مؤسسات ومناصب. جاء هيل، ووجد جبران باسيل ينتظره في منزله مرتاحاً. وفوق كل ذلك، وصل هيل، والفريق الخصم لإدارته قد رشّح أستاذاً جامعياً معروفاً منه شخصياً. حتى إنه أقرّ لبعض من التقاهم بأنه يعرف حسان دياب جيداً، ولا يمكن اتهامه بأنه من إنتاج حزب الله. أكثر من ذلك، فيما كان حلفاء هيل ينتظرون منه بياناً يشبه بيان مايك بومبيو عندما زار لبنان، وجدوه يعتذر عن عدم مناقشة ملفات الحدود والنفط والغاز والعقوبات وصواريخ المقاومة.
عملياً، جاء الرجل الى بيروت متعاملاً بواقعية مع مشهد يقول إن مشروع إسقاط الحكم في لبنان قد سقط، وإن القوى الحليفة له ليست في موقع قادر على نقل طاولة من غرفة الى غرفة، فكيف بقلب الطاولة على الجميع. ولأن الواقعية تفرض على أصحاب المصالح النزول عن الشجرة العالية، فإن أميركا باتت مضطرة إلى إعادة النظر في استراتيجيتها في لبنان. لن تتوقف واشنطن عن التدخل والتخريب، ولن تتراجع عن مواقفها المانعة لقيام دولة طبيعية في لبنان، وستعود إلى فرض مزيد من العقوبات عليه، وستبتزّه بشروط كثيرة للحصول على دعم معنوي هنا أو مادي هناك. وسيعود الاميركيون، مرة جديدة، الى إثارة ملفات الحدود والسلاح والنفط والمال. لكنهم يحتاجون الى لحظة مراجعة. سيتم تغيير طاقم السفارة في بيروت بفريق آخر، من السفير الى موظفين أساسيين.

حلفاء واشنطن يرفضون الإقرار بفشلهم، فتراهم يتحدثون عن خيانة أو صفقة

وسينتظر الاميركيون نتائج الجولة الجديدة من المعارك شمال شرق سوريا وغربها، وسيراقبون طريقة تأليف الحكومة الجديدة في العراق، وينتظرون نتائج المفاوضات المباشرة بين السعودية وأنصار الله في اليمن، وسيدقّقون في أحوال القوى الحليفة لهم بعد تأليف الحكومة الجديدة. وحتى لو كان بين الأميركيين من يفضل المزيد من التعثر والفوضى، بما في ذلك تعطيل عملية تأليف الحكومة الجديدة، لكن الأكيد أن بقايا قوى 14 آذار لن تكون مقبلة على أيام أفضل. ستجهد لإقناع أميركا والغرب بأنها أهل للمسؤولية. وستضطر إلى القيام بالكثير لتعيد تنظيم صفوفها، خصوصاً أن الرئيس سعد الحريري يتوعد «القوات اللبنانية»، كما الحزب التقدمي الاشتراكي، بمواقف قاسية في وقت قريب، علماً بأنه ليس من ضمانة لأن ينفذ ما يقوله، بينما قررت الكنيسة في لبنان أخذ مسافة من هذا البرنامج، ودخلت في عملية تفكير في كيفية إعداد خطة مواجهة للنتائج الاجتماعية المأسوية للانهيار الاقتصادي والمالي على الناس، كما هي حال قوى أخرى في لبنان. أما الجيش والقوى الأمنية، فإن تحدي ضبط الوضع في لبنان، ومنع الاختلالات داخل صفوفها، يتقدمان على أي أولوية أخرى، وسط مخاوف أكيدة لدى قيادات القوى العسكرية والأمنية من احتمال إقالتها في وقت ليس ببعيد، علماً بأن الضغوط لمنع حصول ذلك كبيرة جداً، من داخل البلاد وخارجها.
عملياً، لن تكون الأمور صعبة على الفهم كثيراً خلال الأيام القليلة المقبلة. في جانب أميركا وحلفائها، بحث في الخطوة المقبلة. وفي جانب الغرب وحلفائه من العرب، أيام من الانتظار لتقدير الموقف والتصرف. وفي جانب تحالف 8 آذار، بحث في كيفية توفير مناخات لقيام حكومة قوية وذات مصداقية من خلال أسماء الوزراء والبرنامج. وفي جانب الحراك، ثمة أسئلة وجودية حتمية، خصوصاً أن الفرصة باتت مؤاتية، مرة جديدة، لمراجعة تتيح إعادة تنظيم الصفوف، والتصرف كقوة رادعة للسلطة، وداعمة لأي برنامج إصلاحي، ولو كان هدفه تحسين سلوك السلطة لا إطاحتها... وغير ذلك، يبقى مفاجآت، ولو كان العنف عنوانها!