في لحظة المواجهة الاساسية، لا يمكن المسؤول الاساسي التخلي عن دوره. وفي حالة البلاد اليوم، تقع على عاتق رئيس الجمهورية العماد ميشال عون والامين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله المسؤولية الاكبر. مسؤوليتهما ليست محصورة في أداء دور الحاضن لحكومة الرئيس حسان دياب لتحاول إنقاذ ما يمكن انقاذه، بل عليهما أيضاً يقع واجب حمايتها من الدور المخيف الذي يلعبه فريق الحكم السابق الموجود داخل الحكومة وخارجها، خصوصاً في ملف الادارة المالية والنقدية.

يوم أصرّ الثنائي الشيعي على الاحتفاظ بوزارة المالية، لم يجد احد تفسيراً منطقياً لاختيار الوزير الحالي غازي وزني لتولي هذه المهمة. السيرة الذاتية للرجل لا تعكس خبرة حقيقية في التصدي لمهمة بهذا الحجم. لكن جرى التسويق له من باب انه خبير اقتصادي. إلا أن حقيقة الامر ظهرت في اليوم التالي لصدور التشكيلة الحكومية. اتّضح ان الوزير السابق علي حسن خليل لا يزال هو الوزير الفعلي للمالية، وان مستشاريه ظلوا في مناصبهم ومواقعهم، بما في ذلك أولئك العاملون ضمن اطر المنظمات الدولية، لا سيما منظمة الامم المتحدة للتنمية.
كان الامر ليكون طبيعياً لو ان هذا الفريق انتبه الى ان هناك ازمة كبيرة تعصف بالبلاد، وإلى أنه مسؤول - بالقدر نفسه كما الرئيس سعد الحريري وفريقه وحاكم مصرف لبنان وفريقه - عن الكوارث الكبرى القائمة. وبدا في الاسبوعين الماضيين ان هذا الفريق لا يتصرف على ان هناك ازمة كبيرة تتطلب مغادرة كل آليات البحث والتفكير السابقة. بل لا يزال هناك اصرار على اعتماد افكار تقوم اولا واخيرا على التلاعب بالقوانين وبالنهاية على التلاعب بأموال المودعين.
وفي خضم البحث عن قرار نهائي للحكومة بسداد الديون او عدم سدادها، كان وزير المال يميل مع فريق من مستشاريه الى اختيار شركات استشارية مالية وقانونية بعينها. وكان واضحا ان للوزير السابق كميل ابوسليمان وعاملين معه في وزارة المال الدور في الدفع نحو خيارات رفضتها الحكومة الحالية، ربطا بتضارب المصالح. لكن الأمر لم ينته عند هذا الحد. اذ ان وزير المال فاجأ رئيس الحكومة والجميع بقرار دفع 71 مليون دولار من فوائد بعض المستحقات، مقدما تبريرات تقوم على فكرة ان لبنان لم يتخذ بعد قراراً نهائياً بعدم الدفع. ثم عاد بعدها بأيام ليعرض على رئيس الحكومة ان يدفع بقية الفوائد وقيمتها تصل الى 1.2 مليار دولار.
تقول الروايات، من داخل مجلس الوزراء ومن داخل الاجتماعات الوزارية، ان وزني ليس صاحب رأي متماسك. وان التردد سمة ظاهرة في تصرفه، ما يؤشر إلى أنه ليس صاحب قرار، وان هناك من يدير الامر من خلف الستارة. وما حصل في الساعات الماضية أن هذه الستارة رُفِعت، عندما ظهر في الاجتماع الذي عقد في عين التينة بين الرئيسين نبيه بري ودياب وبحضور وزني والوزير السابق علي حسن خليل، ان الاخير هو صاحب القرار. وهو عرض، فجأة، فكرة تأمين ثمانية مليارات دولار اميركي لسداد مستحقات الدين بالدولار. وقدم عرضا كان مفاجئا للجميع، رغم ان الرئيس بري قال لدياب ان فريقه يملك الحل. ثم عاد خليل وحاول تسويق الفكرة مع قوى سياسية اخرى، من بينها حزب الله. وعُقد في وقت لاحق من بعد ظهر امس اجتماع في السراي الكبير، بحضور رئيس الحكومة ووزيري المال الحالي والسابق وممثلين عن الشركات الاستشارية القانونية والمالية. وعرض خليل مجددا فكرته القائمة على توفير 8 مليارات دولار لحل مشكلة السندات المستحقة. وعند التدقيق معه من قبل المستشارين الدوليين، تبين ان فكرته غير قانونية، ليتضح لاحقاً انها فكرة معدة ومقترحة من قبل عاملين في الاسواق المالية، وان بعضهم على صلة بحاملي سندات اليوروبوندز من فريق الرئيس السابق للحكومة سعد الحريري.
الاجتماع انتهى الى اطاحة الفكرة، لكن فريق الرئيس بري بقي مصرا على علاج يقود فعليا الى تلبية طلبات حاكم مصرف لبنان وجمعية المصارف بسداد الدين، متجاهلين ان اكثر من مليون ونصف مليون مودع من المواطنين لا يحصلون على اكثر من مئة دولار اسبوعيا من اموالهم المستحقة. بينما هم يسعون الى تغطية قرار بدفع الديون لمن تورط في سياسات وهندسات ادت الى افلاس البلاد. ويعرف الوزيران الحالي والسابق بأن ما هو موجود في احتياطات المصرف المركزي لا يكفي لشراء حاجات لبنان من المواد الاساسية من وقود ودواء وقمح. كما لا يمكن تلبية حاجات القطاع الصناعي اللبناني الى مئات الملايين من الدولار لتسيير قطاعات تصدّر سنويا ما قيمته اربعة مليارات دولار الى الخارج.
لكن لماذا الاصرار على هذه السياسات وما الذي ينتظر اكثر؟
الواضح من النقاش الاولي بشأن آلية ملء الشواغر في المناصب الرئيسية الخاصة بمصرف لبنان والمؤسسات التابعة له، ان الرئيس بري، بالتفاهم مع الرئيس الحريري والنائب السابق وليد جنبلاط (وضمنا مع القوات اللبنانية)، يريدون إعادة تعيين الفريق نفسه الذي انتهت ولايته، أو التجديد لمن لا يزالون في مواقعهم. وينطلق الجميع من الطلب الاميركي بإعادة تعيين محمد بعاصيري (مندوب وزارة الخزانة الاميركية في مصرف لبنان) في منصب النائب الثالث لحاكم مصرف لبنان (سبق أن شغل المنصب نفسه حتى انتهاء ولايته قبل أشهر)، وهو ما دفع بجنبلاط الى ابداء الرغبة بإعادة تعيين النائب الثاني السابق، سعد العنداري، بينما لا يرى الرئيس بري مانعا يحول دون إعادة تعيين رائد شرف الدين في منصبه السابق نائباً أول لحاكم مصرف لبنان، وهو ما يسمح بإعادة تعيين النائب الرابع المنتهية ولايته، هاروتيون صاموئيليان. وهو المنطق نفسه الساري على لجنة الرقابة على المصارف حيث يرغب الاميركيون بإبقاء رئيسها سمير حمود في منصبه، ويتم رشوة الاخرين بالابقاء على نفس الاعضاء الحاليين في مناصبهم، ليصار الى تعيين مفوض ومراقب بالطريقة نفسها.
المشكلة في اصحاب هذه الافكار، والتي تطابق ما يريده فعليا رياض سلامة ليظل ممسكا بالقرار من دون اي تعديل، انهم لا يأبهون بكل ما مرت به البلاد منذ اندلاع الازمة قبل خمسة شهور. والمشكلة ان هذا الفريق لا يهتم لكون كل هذه الطواقم مسؤولة مباشرة عن الخراب الكبير الحاصل، وان هذا الفريق لا يريد اي تغيير في سلوكه بل يريد الاصرار على الامساك بمفاصل الدولة من دون اي تغيير او تراجع.

ثمانية وزراء لوّحوا بالاستقالة لمنع إعادة تعيين نواب الحاكم المنتهية ولايتهم


على ان الامر لا يبدو هيناً، إذ ظهر ان ثمانية وزراء، على الاقل، ابلغوا الرئيس دياب بأنهم سيعارضون إعادة تعيين نواب الحاكم المنتهية ولايتهم والتجديد لأعضاء لجنة الرقابة. بل اكد هؤلاء انهم سيمنعون هذه العملية ولو تطلب الامر الاستقالة والخروج الى الشارع وشرح الامر. ومع ان الحكومة اقرت آلية تفرض ترشيح ثلاثة على الاقل لكل منصب، فان وزير المالية الحالي لم يهتم إلا بتأكيد أن له الحق في إعادة طرح اسماء نواب الحاكم السابقين واعضاء لجنة الرقابة الحاليين لتعيينهم مرة جديدة. وهو يعرف تماماً ان المزاج العام في البلاد وداخل الحكومة معاكس تماما لهذه الرغبة. لكن يبدو ان وزني - كما الفريق الحليف له داخل الحكومة وخارجها - يريدون حماية السياسات التي يقوم بها حاكم مصرف لبنان. وهم لا يهتمون ابدا لموقف الشارع الرافض الابقاء على هذه السياسات.
المهم ان الرئيس دياب موافق على احترام الية تعيينات تفتح المجال امام جميع الوزراء لتقديم ترشيحات الى هذه المناصب، وان يصار الى مناقشة هذه الاسماء قبل الاتفاق على لائحة تضم ثلاثة الى اربعة مرشحين لكل منصب، وترسل الى الوزراء قبل اسبوع من اجتماع القرار ومن ثم يصار الى اصدار هذه التعيينات في جلسة واحدة لمجلس الوزراء برئاسة الرئيس عون.
سلامة يعرف انه يستغل ضعف الموقف الرئاسي من مسألة بقائه في منصبه. وهنا تقع على عاتق رئيس الجمهورية المسؤولية الكبيرة، خصوصا أنه يخضع لعملية ابتزاز تحت عنوان انه لا يمكن تغيير قائد عسكري كبير خلال المعركة. مع العلم ان عون يعرف جيدا الدور السلبي الذي لعبه (ولا يزال يلعبه) سلامة.

عرض خليل مجددا فكرة توفير 8 مليارات دولار لحل مشكلة السندات المستحقة


لكن الحميع يدرك انه في حال تقرر عدم اعتبار اطاحة سلامة عنوانا بحد ذاته، فان الاهم هو اعادة الاعتبار الى دور مؤسسة حاكمية مصرف لبنان، وابعاد «الودائع» الاميركية عنها، خصوصا تلك التي تلعب دورا قذرا في مواجهة المناهضين للسياسات الاميركية (يتولى بعاصيري شخصيا التسويق لقانون عقوبات اميركية جديد تحت عنوان مكافحة الفساد) كما يعرف الجميع ان هناك حاجة الى توفير استقلالية تامة للجنة الرقابة على المصارف، وابعادها عن لعبة البازارات التي تولت توفير تغطية لهندسات مالية انقذت اصحاب مصارف ولم تنقذ اموال المودعين. وبالتالي، فان المعركة تتطلب الان اعادة الاعتبار الى المؤسسات قبل اي شيء اخر.
ولان الامر على هذه الدرجة من الخطورة، وحيث يخشى الجميع مصارحة الناس بحقيقة الوضع المالي الايل الى اعلان الافلاس النهائي والتام، تقع على عاتق عون ونصرالله، قبل اي احد اخر، التصدي لكل هذه المماحكات التي صار من المنطقي التشكيك بأهدافها لا اعتبارها مجرد اخطاء.



إلغاء احتكار الاسمنت


تدرس الحكومة مشروع قرار جديداً يمنع بموجبه «الاحتكار غير القانوني» لإنتاج وبيع الاسمنت، وهو ما يجري حالياً بسبب نفوذ القوى السياسية المالكة لحصص وأسهم كبيرة في هذا القطاع (وليد جنبلاط وسليمان فرنجية والكنيسة المارونية وآخرين).
وسيكون في مقدور أي تاجر شراء ما يحتاج إليه من هذه المواد من خارج لبنان، ومن أي مصدر يريده في العالم وبالسعر الذي يناسبه، الأمر الذي يتوقّع أن ينعكس تراجعاً كبيراً في أسعار الاسمنت في السوق المحلية، مع الإشارة الى أن المعامل الكبرى تبيع طن الاسمنت في بيروت بأكثر من ضعفي السعر الذي تحدده المعامل نفسها للاسمنت المصدَّر إلى خارج لبنان.


السرايا تتّسع لآخرين
باشرت الجهات المعنيّة في رئاسة الحكومة إيجاد مكاتب داخل السرايا الكبيرة تسمح لوزراء وجهات رسمية بعقد الاجتماعات والقيام بورش العمل، من دون الحاجة الى استئجار مقارّ جديدة بصورة دائمة أو موقتة. وبرغم ممانعة من البعض في الطاقم القديم في السرايا، إلا أن قرار الرئيس حسان دياب أظهر وجود أمكنة كثيرة كانت تستخدم بصورة خاطئة أو يتمّ استغلالها من قبل الفريق الخاص بالرئيس سعد الحريري.