الأسبوع الماضي، أعلن وزير الاقتصاد والتجارة، راوول نعمه، بدء مرحلة جديدة من العلاقة مع نقابات أصحاب المخابز والأفران، بإطلاق لجنة مشتركة لوضع مؤشر لكلفة إنتاج ربطة الخبز. كان المطلوب من تلك «الشراكة» الوصول إلى صيغة تُخرج هذه السلعة الأساسية من دائرة التجاذبات.

أمس، باشرت اللجنة أعمالها، وضمّت إلى الفريق الوزاري ممثلين عن نقابات الأفران ومعهد البحوث الصناعية ووزارة الزراعة وحماية المستهلك. في الظاهر، كان اللقاء ودياً، لكن عملياً لا تزال «الأسلاك» شائكة بين الطرفين، إذ ليس من السهولة إعادة ترميم ثقة انفقدت على مدى ثلاثة أشهرٍ من المواجهة. بعد ثلاث ساعات من الأخذ والردّ، انتهى الاجتماع بأقل الخسائر الممكنة. في التفاصيل، حاول اللقاء الوصول إلى اتفاق مبدئي حول كمية المواد الأولية الداخلة في عملية إنتاج الرغيف، من دون الخوض في الكلفة. بعبارة أخرى، تحديد مواد «العجنة الواحدة»، بدءاً من الطحين وصولاً إلى أكياس النايلون، على أساس عجنة «شوال» (100 كيلوغرام) من الطحين. ممثلو الأفران حملوا معهم ورقة «على مقاسهم»، حدّدوا فيها كمية «العجنة»، وما يلحق بها من كلفة عوامل الإنتاج، سواء المباشرة (طحين وخميرة وملح وسكر ونايلون) أو غير المباشرة (سكن عمال وإيجار مبان وكهرباء ورواتب وإقامات عمال أجانب وغيرها). وفي المقابل، كانت ثمة ورقة لوزارة الاقتصاد تحمل المواد نفسها ولكن بكميات وأرقام مختلفة. وهنا، كان بيت القصيد: الوصول إلى «حلّ وسطي مناسب وعادل»، على ما تقول المدير العام بالتكليف لمديرية الحبوب والشمندر السكري، نادين عون.
في التفاصيل، وضع ممثلو أصحاب الأفران «باريم» محدداً للعجنة التي تزن 100 كيلوغرام على أساس سعر صرف الدولار الجديد (2500 ليرة)، لكن بعدما كانت تتم «الحسبة» على أساس أن هذه العجنة تنتج 120 كيلوغراماً من الخبز، تراجع «الخبازون» في ورقتهم عمّا كانوا يروجون له، مشيرين إلى أن الكمية لا تتعدى الـ 115 كيلوغراماً. هذه كانت نقطة الخلاف الأولى، إذ بدا أن أصحاب الأفران «مبلشين بقوة»، بحسب مروان مخايل، مستشار الوزير نعمه، وهو ما ردّ عليه هؤلاء بأنهم يحملون «فواتير وإثباتات» لما يقولونه، بحسب علي إبراهيم، الممثل عن نقابات المخابز. المفاجأة الثانية كانت تسعير المخابز لطن الطحين بـ625 ألف ليرة، في حين يؤكد صاحب إحدى المطاحن الكبرى أن السعر «يتراوح بين 565 و585 ألفاً، واصل على الفرن». إلى ذلك، كانت ثمة «أفخاخ أخرى» في ما يتعلق بكمية المواد المستخدمة في عجنة المئة كيلو، من دون الدخول في كلفتها، وهو ما كان موضع تناقض. فقد أخذت حصة بعض المواد في العجنة نقاشاً واسعاً، منها على سبيل المثال كمية السكر المستخدمة، إذ أكد أصحاب الأفران أن كل 100 كيلوغرام من العجين تحتاج إلى حدود 4,5 كيلوغرامات من السكر، ما أثار حفيظة الخبيرة في وزارة الزراعة وممثلة حماية المستهلك التي اعتبرت أن هذه النسبة تضر بالمستهلك. فيما اعتبر ممثل معهد البحوث الصناعية أمين الجبيلي أن هذه النسب «مبرّرة» بالنظر إلى «وضع» الطحين. وهذا ما يحيل إلى مشكلة أخرى تتعلق بدرجة مطابقة الطحين للمواصفات. حصة أخرى من النقاش نالتها الأكلاف غير المباشرة الداخلة في إنتاج الرغيف، والتي حاول من خلالها أصحاب المخابز تحميل الكلفة كلها للخبز الأبيض، وهو جزء مما تنتجه هذه الأفران. هكذا، أراد هؤلاء تحميل الرغيف الأبيض «معاش» السائق الذي ينقل العمال من مكان إقامتهم إلى الفرن، وكلفة إقامات العمال الأجانب وغيرها.

يريد أصحاب الافران تحميل الرغيف أكلافاً لا تدخل في إنتاجه مباشرة


بعد ثلاث ساعات من النقاشات، أمكن التوافق، مبدئياً وليس نهائياً، على بعض «كميات» المواد الداخلة في إنتاج الرغيف، على أن يعاد النظر به في الاجتماعات المقبلة. مع ذلك، يمكن القول إنه في خلاصة الاجتماع أن 100 كيلوغرام من العجين تحتاج الى: 15 ليتراً من المازوت، 1,25 كيلو من الخميرة و3,5 كيلوغرامات من السكر، كيلوغرام من الملح و1.6 كيلوغرام من النايلون. أما العناصر غير المباشرة في الإنتاج، فهي تضم العمال والذين جرى تحديدهم بـ 7 عمال مع أكلافهم، إضافة الى سائق وعامل صيانة وبطاقة العمال الصحية والضمان. وهذه النقطة الأخيرة كانت مثار جدل، إذ حاول أصحاب المخابز تحميل الرغيف كلفة عمالٍ قد لا يدخلون مباشرة في إنتاجه، كالسائق أو عمال المبيعات، وخصوصاً أن هؤلاء لا يعملون على خط الخبز الأبيض وحده. هكذا، حاول الخبّازون تعويض «ربح» ما قد يخسرونه من خلال مؤشر الأسعار.
في مقابل المفاجآت الكثيرة التي ضمّنها الخبازون ورقتهم من كمية الخبز الناتج عن العجنة إلى كلفة طن الطحين، كانت المفاجأة التي تحدث عنها شحادة المصري، نقيب عمال الأفران. فمن خارج السياق، قال المصري ما يخفيه أصحاب المخابز. إذ تحدث بإسهاب عن أوضاع عمال الأفران الذين لا يشملهم قانون العمل والذين يعملون أكثر من معدل الساعات المحددة قانوناً بثمان (ينتجون خلالها طنين من العجين) لتصل في بعض الأحيان إلى 12 ساعة لسبعة أيامٍ في الأسبوع، من دون إجازات سنوية أو مرضية.
أمس، انتهى الاجتماع الأول ولم تنته النقاشات التي أرجئت إلى يوم غدٍ، حيث من المفترض أن تستكمل بعض النقاط في ما يتعلق بالصيانة والأكلاف غير المباشرة من كهرباء وإيجارات وغيرها. كما من المفترض تحديد كمية مناسبة لطن من العجين، قبل أن تبدأ معركة الكلفة. وهي المعركة الأشرس التي ستكون نهايتها إما الوصول إلى المؤشر أو العودة إلى المربع الأول.
بعيداً عن اجتماع أصحاب المخابز والأفران، عُقد اجتماع صباحي مع ممثل تجمع المطاحن، بول منصور، انتهى بطلب الأخير مهلة للتشاور مع التجمع للوصول إلى صيغة ملائمة حول كلفة الطحن. مرد هذا الطلب هو الرفض الضمني لممثل التجمع للكلفة الوسطية التي طرحتها الوزارة - نتيجة دراسة قامت بها - وهي بحدود 45 دولاراً .