في التعاميم التي يُصدرها مصرف لبنان بشأن التسهيلات التي يمنحها للمصارف والمؤسسات المالية، يحظر حاكم «المركزي» رياض سلامة تسديد القروض السكنية المدعومة أو بيعها قبل انقضاء فترة سبع سنوات على تاريخ منح القرض (باستثناء حالات خاصة تخضع لتقدير مصرف لبنان)، «مع تغريم من يُخالف القيود المذكورة، مبلغاً يوازي نسبة 2٪ من إجمالي قيمة القرض» الذي منحه المصرف للعميل عن الفترة التي استفاد فيها المصرف من التسليفات الممنوحة له من مصرف لبنان، ويتمّ تحميل هذه القيمة للعميل. حجّة سلامة لهذا القيد هي منع استخدام القروض المدعومة في المضاربات العقارية، وتحقيق أرباح شخصية على حساب الأموال العامة، ومن دون أيّ استثمار أو فائدة اقتصادية. بعبارة أوضح، يُراد منع أن يحصل أحد على قرض مدعوم بفائدة متدنية، ثم يبيع العقار بعد سنة أو أكثر بسعر أغلى ممّا اشتراه، فيُسدّد كامل قيمته للمصرف قبل أن يكون قد دفع الجزء الأكبر من صافي المبلغ. سيُعيد الفرد، نتيجة هذه العملية، تحصيل الأموال التي دفعها، ويُحقّق أرباحاً إضافية، مُقابل توفير الفوائد التي كان سيدفعها على مرّ السنوات. تعاميم مصرف لبنان كانت «مقبولة» في الحالة «شبه الطبيعية» التي كان يمرّ بها البلد. أمّا اليوم، ومع الحجز على أموال المودعين والتهديدات بانخفاض أسعار العقارات وارتفاع نسبة القروض المتعثرة، بات يُطرح السؤال حول عدم التوجّه إلى خفض هذه الأخيرة، من خلال إصدار مصرف لبنان لتعميم جديد يُلغي فيه شرط انقضاء فترة سبع سنوات قبل تسديد كامل القرض السكني والقرض المدعوم. لا سيّما مع وجود عدد من المقترضين الراغبين بتسديد قروضهم، بواسطة ودائعهم الممنوعين تعسّفاً من التصرّف بها بحرّية.

يُتوقّع في الظرف الاستثنائي، أن يقبل مصرف لبنان التخلّص من عبء القروض، فحتّى ولو كانت مرعية بموجب عقود واضحة الشروط بين المقترِض والمصرف، ولكن المادة 79 من قانون النقد والتسليف (تنصّ على أنّه «يُمكن للمصرف المركزي أن يعمل أيضاً على التأثير في أوضاع التسليف العامة وذلك بتحديد حجم التسليف من أنواع مُعينة أو الممنوح لأغراض مُعينة أو لقطاعات مُعينة، وبتنظيم شروط هذا التسليف) تمنح «المركزي» صلاحية إصدار تعميم يحلّ مكان العقود الموقّعة، وليس الأمر بحاجة إلى قانون.
ما يُحتّم إصدار تعميم جديد من «المركزي»، ارتفاع نسبة طلبات تسديد القروض قبل انقضاء السبع سنوات، المُرسلة من المصارف إلى مصرف لبنان. مديرية الشؤون القانونية في «المركزي» تتلقّى الطلبات للبتّ بها، وبحسب معلومات «الأخبار» فهي أشارت إلى عدم جواز تدفيع المقترضين غرامة 2٪ من إجمالي قيمة القرض، لمن يريد إطفاءه. ولكنّها لا تزال تُجابَه برفض رياض سلامة. الانقسام في الرأي حطّ رحاله أيضاً في لجنة الرقابة على المصارف، التي تتوزّع الآراء داخلها بين مؤيّد لإعفاء المقترضين من الغرامة، وبين المعارضين على إدخال أيّ تعديل على التعاميم القديمة. لماذا؟ حماية أرباح المصارف. يشرح أحد الاقتصاديين أنّه ورغم حاجة المصارف حالياً لزيادة سيولتها، ولكنّها مُستفيدة من استمرار عقود القروض. فتسديدها قبل انتهاء مدّتها، أو ضمن مهلة السبع سنوات، يعني أنّ المصارف ستكون مُضطرة لأن تحسم فوائد السنوات اللاحقة، وبالتالي لن تُحقّق الأرباح التي تدخل إلى ميزانيتها عادةً جرّاء فوائد القروض. فكانت النتيجة الاستكمال في نفس النهج السابق: تغليب عامل الربح على بقية الاعتبارات.

أشارت مديرية الشؤون العقارية في «المركزي» إلى عدم جواز فرض غرامة على المقترضين


تعاميم مصرف لبنان بما خصّ الفترة المسموح مضيّها قبل تسديد كامل القرض، تتعارض مع المادة 23 من قانون حماية المستهلك، وفيها أنّه «يجوز للمستهلك، في أيّ حين، أن يُسدّد قيمة أقساطه كافة قبل استحقاقها على أن يخفّض من هذه القيمة مقدار الفائدة التي كانت متوجبة. تُحدّد في العقد الذي تجريه المؤسسات المالية أو المصرفية مع المستهلك إجراءات تطبيق الفقرة السابقة وعند الاقتضاء، الجزاءات المترتبة». يوضح أحد القانونيين أنّ قرارات مصرف لبنان «يرعاها قانون النقد والتسليف، الذي يُعطي حاكم «المركزي» صلاحيات واسعة بأن يُصدر قراراً وسيطاً أو تعاميم تُحدّد شروطاً مُعيّنة لعقود الاقتراض، وبالتالي لا يعود مُلزماً بقانون حماية المستهلك». صحيح أنّ هدف الأخير «حماية الناس، وفي كلّ دول العالم تُنصّ تشريعات لحماية المودعين على حساب المصارف، ولكن لا يُمكن أن نحسب دائماً أنّ نية المستهلك سليمة، ولن يعمد إلى بيع الشقة بعد حصوله على القرض المدعوم ويُحقّق ربحاً. لذلك وُجد القانون». يقول القانوني إنّه يُمكن تعديل قانون حماية المستهلك وتضمينه القروض المصرفية، «ومن المستحسن أن تشمل كلّ أنواع القروض».
من جهته، يُخبر رئيس جمعية المستهلك الدكتور زهير برّو عن «المعارك الطويلة» التي خيضت في مجلس النواب سنة 2004 لحماية المستهلك. ستّ جلسات عُقدت حينذاك، «شاركنا فيها جميعها، وكان يحضر ما بين 20 و30 نائباً. الطرف المعارض لنا، كان يُمثّله باسل فليحان، ويتكلّم باسم التجار والمصارف». الضغط الذي مارسه هذا الفريق يومها، أدّى إلى إدراج المادة 17 في قانون حماية المستهلك، وهي: «تُطبّق أحكام هذا القانون المتعلّقة بالعقود التي تربط المحترف بالمستهلك في كلّ ما لا يتعارض مع النصوص القانونية التي ترعى عمل المهن الحرة والمصارف وشركات التأمين». يقول برّو إنّ ذلك أدّى إلى «منع تطبيق المادة 23 من قانون حماية المستهلك في العقود بين المصارف والعملاء، وبسبب وجود قانون النقد والتسليف». حالياً، وفي حال «تغيّرت موازين القوى، ممكن أن تؤدّي الضغوط إلى إلغاء المادة 17».