إدارة مكافحة الأمراض الوبائية من أكثر الأمور تعقيداً في عالم الإدارة لأسباب عدة، أهمها كثرة المؤسسات والإدارات التي تتطلّب تعاوناً وتنسيقاً في ما بينها، وتشعّب المعلومات التي يجب تداولها بين المعنيين، ناهيك عن أن الأمر، هنا، يتعلق بحياة البشر، وأي خطأ يمكن أن يتسبب بموت العديد منهم.

وتختلف إدارة مكافحة الأمراض المعدية عن إدارة الكوارث الطبيعية كالفيضانات والحرائق وغيرها لأسباب عدة، منها أن هذه الأمراض تتحرك بشكل موجة (wave pattern) يتحدّد مسارها بحسب الجرثومة (pathogen) التي يُحتمل أن تعاود العمل في بيئة تمّت معالجتها سابقاً. كما أن خطر هذه الأمراض يكمن في أنها تتطور وتتأقلم بحسب البيئة ونوع الفيروس وتأثّره بالعوامل البيئية المحيطة ما يزيد انتشاره، وقد يتخطى الوباء الحدود الجغرافية ويتعداها ليصبح عالمياً. ناهيك عن تأثيره المباشر في العاملين في الحقل الطبي، وهم الأكثر عُرضة للإصابة ونقل العدوى إلى عائلاتهم ما يؤدي إلى تحييدهم عن العمل.
بسبب هذه العوامل المتغيرة يجب أن تكون عملية إدارة مكافحة الوباء متماثلة في المواصفات، بحيث تكون ديناميكية وقابلة للتأقلم السريع مع المجريات المختلفة. أما العامل الأهم في هذه الإدارة، فهو «إدارة التواصل» بهدف توحيد أنماط التواصل المعلوماتي بين مختلف المعنيين (stakeholders). ومن هذه الأنماط المعلوماتية:
1- إرسال رسالة موحّدة إلى المواطنين والجمهور.
2- توحيد المعلومات المرسلة إلى الأطباء والمستشفيات وخصوصاً أقسام الطوارئ في المستشفيات.
3- تسريع أي تغيير عبر توضيح أطر «تعريف الحالة» (case definition)، وهي عبارة عن مقاييس عدة لتحديد إذا ما كان الشخص مصاباً أم لا.
4- إطلاع مختلف المؤسسات الاقتصادية والتعليمية العامة والخاصة على تطوّر الوباء.
5- إبقاء المعلومات ضمن الحد المنطقي للإطلاع بدل إرسال أنظمة وبروتوكولات طويلة ومعقّدة.
وهناك نوعان أساسيان من التواصل المعلوماتي: معلومات واردة ومعلومات صادرة (Inbound & Outbound).
المعلومات الصادرة هي تلك التي يتم عبرها تحديد آلية تعريف الحالة (case definition) عبر طريقة اتصال موحّدة وسريعة بوزارة الصحة لوضع الحالة في نظام تتبّع المرضى. وتضع الوزارة - أو المديرية المعنية فيها - نفسها في موقع استراتيجي وأساسي، وتكون هي المسؤولة حصراً عن إيصال المعلومات الى كل الجهات المعنية من مستشفيات وعيادات ومراكز صحية وأطباء في المناطق والمحافظات المختلفة. وهذا النوع من التواصل يجب أن يصدر من مؤسسة واحدة، لأن أي تداخل في الأمر من أي مؤسسة أخرى تأخذ على عاتقها إصدار تعليمات أخرى سيتسبّب في إرباك على مستوى نقل المعلومات.
ومن أهم الأمور في أوقات الأزمات هي المعلومات التي ترد إلى الجهات المعنية حول انتشار الوباء وعدد المرضى وأماكن وجودهم... وعلى الجهات التي تجمع هذه المعلومات أن تقوم بذلك وفق بروتوكولات خاصة بها. وبالتالي، فإن أنظمة المراقبة والتواصل يجب أن تتكيّف وتتوحّد في ما بينها على أسس مهمة، منها:
- دقة الحالة المرضية: والهدف هنا هو تقليل عدد الحالات الإيجابية الخطأ (false positive) والحالات السلبية الصحيحة (false negative).
- الإبلاغ المبكر عن الحالات لإضافتها إلى نظام المراقبة وتتبّع المرضى.
- السعي إلى حماية الإمكانات والموارد ذات القدرات المحدودة مثل غرف العناية الفائقة وأقسام الطوارئ والأقسام لاستخدامها بفعّالية أكبر.
- ضرورة توزّع نُظم المراقبة جغرافياً وعملانياً لاكتشاف الحالات في مراحل تطورها الأولى. ويجب العمل على ذلك بالتعاون مع الأطباء الذين تمتد شبكتهم على مساحة واسعة من المجتمعات ويشكلون أول نقطة لإحالة المرضى.
ومن الممكن تحديد مصادر مراقبة رسمية ورئيسية لجمع المعلومات من قبل وزارة الصحة يتم تجميعها في مديرية للتحقّق منها. أما المصادر الطارئة التي لا تحتمل تأجيلاً فتكون علاقتها مباشرة مع وزارة الصحة من أجل المعالجة السريعة.
إدارة التواصل وتنسيقه خلال الأزمات موضوع مهم ومعقّد، وقليلاً ما يتم الالتفات إليه. والتنسيق الجيد لا بد من أن يساهم في خفض معدلات الإصابة والحد من انتشار الوباء. وقد تكون عملية توزيع الجهات المراقبة وتوحيد نقلها للمعلومات إلى وزارة الصحة نهجاً عملانياً فعّالاً للتسريع في تحديد الإصابات والحد من نشر الأخبار غير الموثوقة.
ومن الأسئلة التي قد تساهم الإجابة عنها في تنسيق التواصل: متى تبدأ نقطة تفشي المرض ومن هي الجهات المعنية في هذه المرحلة؟ ما دور المؤسسات في المراحل المختلفة من مراحل تفشي المرض؟ كيف تتطور الاتصالات الرسمية وغير الرسمية خلال فترة التنسيق؟ ما هي المؤثرات الخارجية على الأطراف المشاركة في العمليات التنسيقية وعلى أسس التواصل التي تم تحديدها؟
لا بد من إجراء دراسات حول سبل التواصل الأمثل بين المؤسسات والمستشفيات المعنية في لبنان ووزارة الصحة لتأمين نقل سريع وفعّال لكل المعلومات في الاتجاهين، والحرص على بناء شبكات معلومات، مهمتها الأولى نشر الوعي حول كل ما يصدر عن وزارة الصحة مع تعزيز تطبيقها، ومهمتها الثانية المراقبة وتحديد الحالات بدقة لمتابعتها بشكل سريع، إذ أن شبكة الاتصالات ذات الأطراف المحددة تؤمّن سلاسة في تناقل المعلومات، وقدرة أكبر على احتساب نسبة تفشّي الوباء وعدد الأشخاص المصابين به وأماكن انتشاره وبالتالي القيام بالإجراءات المطلوبة بالسرعة اللازمة.

* أستاذ جامعي، دكتوراه في إدارة مكافحة الأمراض الوبائية