مملاً بات مسلسل التشكيلات القضائية. رشَحَ عن الطبّاخين في مجلس القضاء الأعلى أنّها مسألةُ أيام، لكنّ الأيام تحوّلت إلى أسابيع والأسابيع تكاد تُصبح شهوراً من دون قدرة أهل القضاء على إنجازها. وفيما تؤكد المصادر القضائية أنّ مجلس القضاء الأعلى يسعى لإنجاز نقلةٍ نوعيةٍ على صعيد التشكيلات عبر إعداد مشروع مستقل يراعي معايير الكفاءة والدرجة، وتشير إلى أنّ التشكيلات الجارية ستُحرّك أكثر من ٣٠٠ قاضٍ من مراكزهم، إلا أنّ اللمسات الأخيرة باتت كثيرة ولم يعد يُعرف كيف ستنتهي. وقد أصبحت العُقد بمثابة ألغام تُهدِّدُ بالإطاحة بالتشكيلات القضائية في كُلِّ لحظة. ورغم أنّ الأنظار موجهة إلى مجلس القضاء الأعلى الذي يعمل على مشروع التشكيلات القضائية، إلا أنّ «المايسترو» الخفي الذي يملك حق الـ «ڤيتو» لم يرضَ عن التشكيلات بعد. وهذا المايسترو سياسي بامتياز. وبالتالي، بات واضحاً أنّ أهل السياسة يرفضون السماح لأهل القضاء بإتمام هذه التشكيلات بحريةٍ وسلام. لذلك تدخّل كاتب السيناريو (أهل السياسة) ليُذكّر المخرج (مجلس القضاء الأعلى) بأنّه خرج عن النص. وبالتالي، فإنّ العمل لن يُبصر النور. البداية من وزير العدل ماري كلود نجم التي بدّلت أقوالها. وبعدما غرّدت قبل أيام على حسابها على تويتر مؤكدة أنّها لن تتدخل أو تسمح لأحد بالتدخّل بمسار التشكيلات القضائية، وأعربت عن أملها بأن «يتحمّل مجلس القضاء الأعلى مسؤوليته في إعدادها وفق معايير الكفاءة والنزاهة والإنتاجية»، عادت لتغرّد أول من أمس تغريدة تجبُّ ما قبلها. فكتبت قائلة: «دوري وواجبي كوزيرة للعدل أن أتأكد من احترام المعايير الموضوعية التي تضمن تعيين القاضي الأكفأ في كل منصب وأن أمنع الاستئثار في القضاء لصالح هذا الفريق أو ذاك، وسأفعل». هكذا بدّلت وزيرة العدل موقفها، في غضون يومين، من «لن أتدخل» إلى تأكيد تدخّلها. بدت نجم كمن يهزّ العصا لمجلس القضاء الأعلى مهددةً بأنّه «إن لم تكن التشكيلات القضائية على مزاجي، فإنّها لن تحصل على توقيعي». وللعلم فإنّ القضاة الذين لبثوا أسابيع في العمل على مشروع التشكيلات القضائية محتاجون إلى توقيع وزير العدل ووزير المال ورئيسي الجمهورية والحكومة لتصبح التشكيلات التي أعدّوها نافذة (إضافة إلى توقيع وزير الدفاع على مرسوم تشكيلات قضاة المحكمة العسكرية).

وبالعودة إلى مسار التشكيلات القضائية، فإنّ تسريبات مجلس القضاء الأعلى تؤكد بشكل قاطع أنّ القضاة المحالين على المجلس التأديبي نُقلوا من مراكزهم ولن يُعيّنوا في مراكز أساسية. وفي هذا الخصوص، تكشف المصادر أنّ معظم هؤلاء عُيِّنوا مستشارين إضافيين في قصور العدل. والمستشار الإضافي هو مستشار بالاستئناف يُستدعى لملء الفراغات في حال النقص عند الهيئات.

لن تُنقل غادة عون من مركزها إن لم يُسجن هادي حبيش


أما العقد الأساسية فقد جرى حلحلة بعضها، إذ لم يُحسم أمر المدعية العامة في جبل لبنان القاضية غادة عون بعد. وفيما تؤكد مصادر مجلس القضاء الأعلى أنّ عون لن تبقى في مركزها، يتردد أنّ وجهتها حُسمت لرئاسة محكمة التمييز العسكرية. هذا الحسم ينفيه مصدر قضائي مؤكداً أنّ المعادلة باتت على الشكل التالي: لن تُنقل غادة عون من مركزها إن لم يُسجن النائب هادي حبيش الذي اقتحم مكتبها ومارس البلطجة بحقها. ويتردد أنّ هذه المعادلة أرساها رئيس الجمهورية ميشال عون خلال لقائه رئيس مجلس القضاء الأعلى القاضي سهيل عبود. غير أنّ دون ذلك عقبات قانونية على اعتبار أنّ ملف النائب حبيش يسلك المسار القانوني بعد تقديم وكيله الدفوع الشكلية. هذه العقبة لم يتم تجاوزها بعد. كما لم يُتّفق بعد على خليفة عون. إذ تتأرجح الخيارات بين ثلاثة أسماء هم: سامر ليشع وفادي عنيسي وفادي صوّان، الأعلى درجة بينهم. وفيما يرجّح أنّ يكون ليشع الأوفر حظاً لتولي منصب مدعي عام جبل لبنان، يؤخذ عليه أنّ درجته (15) متدنية نسبة إلى درجة القاضية عون.
كذلك كان لا يزال عالقاً مركز القاضي سمرندا نصّار التي تشغل منصب قاضي التحقيق الأول في الشمال، بحيث كان النقاش بشأن تعيّينها قاضية تحقيق في بيروت أو في المحكمة العسكرية، لكنّ ذلك لم يُحسم بعد. أما في ما يتعلّق بالتوافق على تعيين خليفة لمدعي عام الجنوب رهيف رمضان، فتكشف المصادر بأنّ الخيار رسا حتى الآن على القاضية رانيا يحفوفي من دون أن يُحدد المركز الذي سيُنقل إليه رمضان.
رغم كل التسريبات الإعلامية بشأن إنهاء مجلس القضاء الأعلى المشروع وإحالته إلى وزيرة العدل، إلا أنّ المؤكد أنّ التشكيلات القضائية قد يُطاح بها في أي لحظة. اللمسات الأخيرة نفسها يُحكى عنها، لكن بات مسلّماً لدى القضاة أنّه إذا لم يُبت الأمر خلال ساعات، فإنّها لن تُبصر النور.