«أين الثوار»؟ سؤال يتداول بكثرة على مواقع التواصل الاجتماعي ما ان يطرأ جديد في أي ملف، وآخره تجميد المدعي العام التمييزي غسان عويدات لقرار القاضي علي ابراهيم تجميد أصول 20 مصرفاً يوم أول من أمس. بصرف النظر عمّا إذا كان السؤال بريئاً وينمّ عن حماسة أو هو مجرد «تمريكة» لبعض الحزبيين الغاضبين للإشارة الى أن الانتفاضة انتهت، إلا أن الثابت هو تأثير هذه الانتفاضة في حياة اللبنانيين وتعويل جزء منهم عليها في الضغط على السياسيين. فمع خفوت نبض الانتفاضة خلال الشهر الماضي، بدا كأن مشهد عام 2011 يتكرر عندما خرج بعض المجموعات لإسقاط النظام الطائفي لتختلف على القيادة والعناوين وتسقط بنفسها، خصوصاً أن الجولة في ساحة الشهداء توحي بكآبة نتيجة صمت الشوارع المفاجئ، فيما الخيم الفارغة تترقب مواعيد الجلسات الحوارية لتمتلئ من جديد. ليس كورونا السبب ولا هو يأس من التغيير، بل مجرد «استراحة محارب» على ما يقول البعض، تلت فترة تأليف الحكومة وبداية عملها. والواقع أن المجموعات عادت واستأنفت أنشطتها خلال الأسبوع الماضي، إن عبر المسيرة المطالبة بعدم دفع سندات اليوروبوند وغيرها التي ترفض اللجوء الى صندوق النقد أو مسيرة منتصف الأسبوع الفائت من شارع الحمرا الى رياض الصلح ضد المصارف. الأولوية اليوم باتت ملحة وفق البعض، لوضع برنامج سياسي يجمع العدد الأكبر من الناشطين حوله، إذ لا يمكن لمن ينادي بإسقاط السلطة الحاكمة ويقدم نفسه كبديل، ألا يحمل برنامجاً تفصيلياً عن رؤيته الاقتصادية والنقدية والمالية والاجتماعية والسياسية، في حين يرى البعض الآخر أن المجموعات ما زالت في إطار غربلة نفسها وتشديد الأواصر الجامعة في ما بينها، والمشروع السياسي مؤجل لأنه سيخلق فجوة ويعمق الاختلافات. الوقت ليس مناسباً لذلك، يقول أحد قادة المجموعات، ما زلنا في الأشهر الأولى للانتفاضة والتركيز كله على الأنشطة وسبل الضغط لتحقيق المطالب.

بين الرأيين الأول والثاني اختلاف في الرؤية المستقبلية ولكن لا خلاف على ما جمعهما منذ تشرين الأول وسيجمعهما مستقبلاً. كل الاجتماعات المعقودة بين المجموعات تقود الى العنوان نفسه: «المصارف وإعادة هيكلة الدين». أصلاً قرار الدولة بالتوقف عن الدفع وإعادة جدولة الدين لم يترك مساحة لأي قضية أخرى. يلفت الناشط في مجموعة «عن حقك دافع» أنطوني دويهي، التي كانت جزءاً من تحركات «ثوار جلّ الديب»، إلى أن المجموعة تحمل شعارين للمرحلة المقبلة: «إعادة هيكلة المصارف اللبنانية وإعادة هيكلة مصرف لبنان». يشير دويهي الى ضرورة تنازل المصرفيين عن أرباحهم ليتم توزيعها على الشعب اللبناني، لكن يتطلب الأمر قبيل ذلك النجاح في هذه الحملة. فـ«إعادة هيكلة المصارف أهم من إعادة هيكلة الدين العام، لأنه هذا الدين يمكن لمصرف لبنان أن يشطبه، وهو دين شبه وهمي قائم ما بين مصرف لبنان والمصارف».

دويهي: إعادة هيكلة المصارف أهم من إعادة هيكلة الدين العام


تنسق مجموعة «عن حقك دافع» مع باقي المجموعات الناشطة بشكل شبه يومي. لذلك لا يمكن الوقوع اليوم على أي ناشطين لا يحملون العنوان نفسه. في «بيروت مدينتي» مساران تتحرك المجموعة وفقهما؛ بالنسبة إلى الشق المالي، «نريد أن تقدّم الحكومة مشروعاً إنقاذياً لإعادة هيكلة الدين والتفاوض على ضوئه، ولأي نقاشات مع أي دول مانحة»، يقول طارق عمار. من المفترض أن تمتلك الدولة خطة للخروج من الأزمة في غضون سنتين أو ثلاثة، وأن تعلن خلالها من سيدفع ثمن إفلاسها، إذ من غير المعقول أن يدفع الذي استفاد لسنوات كالذي سرقت أمواله»، فيما «الذهاب اليوم الى هذه الإجراءات من دون خطة هو بمثابة مناداة صندوق النقد لفرض برنامجه علينا». أما اهتمام «بيروت مدينتي» الثاني فيتركز، وفق عمار، على «الاستمرار في الضغط شعبياً، إن من خلال التظاهرات أو الأنشطة المرتبطة بالأحداث». الواضح هنا أن الناشطين الرئيسيين اليوم تعلموا من تجربة الماضي وباتوا أكثر التصاقاً بفكرة التعاون وعدم فرز قيادة واحدة للحفاظ على شكل الانتفاضة وأهدافها. لذلك، تغيب الانتقادات الشرسة بين مختلف المجموعات، حتى حين يذهب البعض الى تشكيل ائتلافات مع بعض القوى دون الأخرى.
«نسعى لضرب مصالح أصحاب المصارف بقدر الإمكان، وسنكمل المساعي لضرب المصارف مع الشباب»، يقول الناشط في حركة الشعب عمر واكيم. حركة الشعب هي جزء من ائتلاف بناء الدولة الذي يوجه أنشطته صوب المؤسسات العامة والمجالس والصناديق التي ترشح فساداً. ولكل مجموعة، وفق واكيم، «اتفاقها السياسي ومبادئها». الأولوية بالنسبة إليه هي «استعادة الأموال المنهوبة، وإقرار قانون انتخابي خارج القيد الطائفي و... كنا ننادي بحكومة انتقالية مستقلة من خارج الطبقة السياسية. جاءتنا حكومة لا أعرف بما نصفها».
من جهته، سيتابع قطاع الشباب في الحزب الشيوعي القرار الصادر عن القاضي علي إبراهيم وتفاصيله، لأنه يدخل ضمن القرارات المطلوبة لوضع حدّ للمصارف، بحسب الناشط سمير سكيني. والواضح أن هناك أزمة في موازاة الوضع الاقتصادي والمالي هي «أزمة الحكومة العاجزة عن معالجة أي ملف ولا ينفع إعطاؤها أي فرصة». أما بشأن سندات الدين، «فالمطروح من قبلنا إعادة هيكلة للدين مع شطب جزئي أو كامل له».



«لقاء التغيير ــ من أجل لبنان ديمقراطي»
أطلق الحزب الشيوعي اللبناني والحزب الديمقراطي الشعبي إضافة إلى التنظيم الشعبي الناصري منذ نحو أسبوعين «لقاء التغيير - من أجل لبنان ديمقراطي». يومها خرج المجتمعون بتوصيات تتشابه ومطالب بعض المجموعات من حيث حماية الفئات الاجتماعية الفقيرة والمتوسطة وإصلاح القضاء وصون الحريات العامة، داعين إلى تصعيد الانتفاضة الشعبية. حضر بعض قادة المجموعات الاجتماع من دون الانضمام إليه، فهم لا زالوا بحاجة إلى مناقشة الأفكار المطروحة مع المعنيين على ما يؤكدون. لكنهم، منفتحون على الحوار وعلى اتّضاح الصورة أكثر لدى البعض مع عدم فرض أي طرف رأيه على الآخر. لا يشبه هذا اللقاء ذلك الذي حصل في فندق الكومودور سابقاً وضم عدداً كبيراً من الناشطين لمناقشة الأفكار وجسّ النبض بشأن إذا ما كان ممكناً التوصل إلى اتفاق ما. فلقاء التغيير «مؤلف من 4 قوى متفقة مسبقاً على الكثير من المبادئ والعناوين، وتدعو كل من يتوافق معها عليها للانضمام إليها»، بحسب محمد بزيع، القيادي في قطاع الشباب في الحزب الشيوعي. ذلك لا يعني أن اللقاء أغلق أبوابه في وجه الآخرين وانزوى مع القوى الأخرى، بل على العكس، «يجلس باستمرار على طاولة أوسع تضم كل المجموعات ويطرح معها أفكاراً ونشاطات، الطموح اليوم الوصول ربما إلى ورقة سياسية تنظم الأفكار». أما الطرح الآني فيتركز على «إعادة هيكلة دين الدولة وسيترافق مع تظاهرات وتصعيد في الشارع. التوقف عن الدفع مطلوب ولكن لسنا مع الاكتفاء بتأجيل الدفع». «عملنا يقوم على شقين: الأول للحفاظ على الضغط الشعبي. أما الشق الثاني فهو متعلق بالظروف الطبيعية في البلد التي تقود الدولة إلى تعديل سلوكها وفق الوضع العام. مهمتنا السهر على تصويب كل القرارات التي تُتخذ والوقوف في وجه أي إجراءات تمسّ بالمواطن». ويوم الجمعة الفائت، صدر بيان عن لقاء التغيير تحدث فيه عن «الزواج المديد بين القوى الطائفية والمصارف»، وعن توفيرها «سندات الدين العام وفوائدها الخيالية بعد أن وسّطت مصرفها المركزي في عملية النهب». وتابع البيان قائلاً: «لجأت المصارف بشكل حثيث ومنظّم إلى وضع يدها على أموال المودعين، فيما كانت تراكم عاماً بعد عام الأرباح السهلة والمكافآت والمخصّصات الفاحشة، وتحوّل النصيب الأكبر منها بانتظام إلى خارج الديار. وها هي المصارف تكمل اليوم «دورة العنف» ضد المودعين، عبر قرارها الأحادي بوقف تحويل الأموال إلى الخارج وبوضع سقوف استنسابية ومتناقصة على السحوبات المصرفية». ودعا إلى «تصعيد الانتفاضة الشعبية وتصليب عودها وتنظيم صفوفها في معركة سوف تكون لا محال طويلة ومعقّدة، وصولاً إلى فرض انتقال سلمي للسلطة يحرّر البلد والشعب من المنظومة السياسية ونظامها الطائفي».