لم يكن إنهاء إسرائيل احتلالها في لبنان، عام 2000، خياراً تفضيليّاً لجأت إليه ضمن خيارات أخرى، بل جاء اضطرارياً بعد استنفادها البدائل. النتيجة، وإن كانت واحدة وهي الانسحاب، إلا أن الفرق كبير بين الحالتين.

قبل أشهر من 25 أيار 2000، عقد الكنيست الإسرائيلي جلسة عامة (8 آذار 2000)، للتداول بقرار حكومة إيهود باراك الانسحاب من لبنان. برزت في المداولات كلمات ومواقف، كان من أبرزها كلمة «موشيه راز» عن حزب ميرتس:
«من الجيد أن تقرر الحكومة إخراج الجيش الإسرائيلي من النار في لبنان، إذ عندما تكون في أتون النيران فلا علاقة ولا أهمية إن كنت ستخرج بشكل أحادي أو وفقاً لاتفاق (مع سوريا ولبنان). الواجب فقط، في هذه الحالة، هو الخروج بسرعة، ومن دون أي إبطاء».
عبرت كلمة راز في حينه عن رأي أغلبية الجمهور الإسرائيلي، وأيضاً عن أغلبية من جلس على طاولة القرار في تل أبيب في السنوات التي سبقت صدور قرار الانسحاب وبلورته عملياً في حملة باراك الانتخابية عام 1999.
في الخلفية، حفر الحزام الأمني في لبنان عميقاً في الوعي الإسرائيلي، بوصفه «مكمن الشر» ومكاناً لـ«إنتاج الموت» للجنود، مع تجذّر الاعتقاد لدى الإسرائيليين: الوجود العسكري في لبنان غير مُجدٍ وبلا فائدة، وهو مصدر استنزاف لا طائل منه.
لكن كيف توصلت إسرائيل الى هذه النتيجة؟ هنا يكمن الفرق بين الهزيمة المعبّر عنها بالانسحاب العسكري الاضطراري، والانسحاب المبني على فرض واقع وتسويات بعد تطويع الجانب الآخر ودفعه إلى التنازل عبر «اتفاقات».
في جلسة الكنيست نفسها، تحدث رئيس حزب «إسرائيل بيتنا»، أفيغدور ليبرمان، مؤكداً أن «مشكلة جنوب لبنان هي في الواقع مشكلة تزعجنا جميعاً، سواء من هو في المعارضة أو في الائتلاف وكذلك في مؤسسات الحكومة». أضاف: «سأكرر القول للمرة الألف، لا توجد حركة سياسية في دولة إسرائيل تقترح ضم جنوب لبنان، أو إقامة مستوطنة يهودية في جنوب لبنان». إلا أنه أضاف أيضاً سبب اعتراضه على الانسحاب الأحادي بلا اتفاق: «يمكننا أن نقدم كل التفسيرات التي نريدها لقرار انسحابنا، لكنهم يفهمون من ذلك شيئاً واحداً: أصغر دولة في العالم العربي، وكذلك أضعفها، نجحت في هزيمة دولة إسرائيل، ولا يوجد تفسير آخر».
كلام ليبرمان لم يوضح السبب الذي يدفع كل الطيف السياسي في إسرائيل ومن بينه هو وحزبه، إلى القول أن لا أطماع في لبنان، رغم أن العقيدة السائدة لدى الصهيونية وأحزابها، تتركز على أن أراضي الدولة الإسرائيلية يحدّها حصراً المكان الذي يضع الجندي الإسرائيلي جزمته فيه؟
حتى عام 2000، كانت إسرائيل قد استنفدت كل خياراتها المتاحة، وأدركت أن الفائدة من بقائها تصغر كثيراً أمام استنزافها، الذي لم يعد يقتصر على الاستنزاف المادي في جنودها وعتادها، بل تجاوزه الى صورتها واقتدارها وردعيتها، التي باتت تتشوش مع كل عملية تنفذها المقاومة، سواء لدى أعدائها أو أصدقائها، وكذلك الجهات التي تعدّ وكيلة عنها في المنطقة وظيفياً، ناهيك عن صورتها لدى جمهورها ومستوطنيها.
تطلع سريع الى سنوات ما قبل عام 2000، يسمح بملاحظة أن الجهد الإسرائيلي تركز على رهانات على تطورات سياسية وأمنية لجأت إليها إسرائيل أو حرّكتها أو عملت على تنميتها، سواء من خلال العمل العسكري المباشر ضد المقاومة، وتحديداً في حربَي تموز 1993 ونيسان 1996، المعروفتين بعمليتَي عناقيد الغضب وتصفية الحساب، أو من خلال عمليات الاغتيال لكوادر حزب الله، وخاصة أمينه العام السيد عباس الموسوي. كذلك راهنت إسرائيل على تطورات داخلية لبنانية أملَت من خلالها تصفية المقاومة وتطويعها وإبعادها نهائياً أو بشكل كبير عن الحدود. وكانت سنوات ما قبل الانسحاب مشبعة بمحاولات إسرائيلية لإبرام اتفاقات مع الجانب السوري، صاحب القرار في لبنان في حينه، يضمن لها إبعاد دمشق عن محور المقاومة، والأمل بإمكان تلزيمها عملية التطويع والتصفية، بما لم تستطع هي إنجازه.
فشل الخيارات العسكرية المباشرة والفتنة الداخلية بين أجنحة المقاومة وكذلك فشل الرهان على سحب سوريا من محور المقاومة عبر التفاوض والتسويات، وضع صاحب القرار في تل أبيب أمام خيارين اثنين: إما الانسحاب بلا قيد أو شرط، وإما المكابرة واستمرار الاستنزاف البشري وفي الصورة والمكانة الوظيفية للدولة العبرية، فكان الانسحاب هو الخيار الطبيعي - الاضطراري من جانب تل أبيب.

مركز الثقل المدني
واحدة من أهم الاستراتيجيات التي يتمسّك بها الاحتلال الإسرائيلي، هي العمل على تهديد «مركز الثقل» لدى الجانب الآخر، باستهدافه إن لم يتراجع (الآخر) أمام الإرادة الإسرائيلية. في الحالة اللبنانية، كان أهم «مركز ثقل» لدى المقاومة هو بيئتها المباشرة وحاضنتها الشعبية. وهذه الاستراتيجيا فعّلها الاحتلال الى حد الإفراط: التهديد باستهداف المدنيين واستهدافهم بالفعل. وجاء الاستهداف موجهاً لتحقيق إحدى نتيجتين أو كلتاهما معاً:
تأليب بيئة المقاومة على العمل المقاوم ورفض الاستمرار فيه نتيجة الأثمان التي يدفعها المدنيون في أعقاب العمليات التي تنفذها؛ وأيضاً ردع المقاومة ومنعها من استمرار تتفيذ عملياتها العسكرية خشية أن بكون الثمن استهداف المدنيين في لبنان.
تعدّ هذه الاستراتيجيا مثالية من ناحية إسرائيل، ويمكن الرهان عليها، إذ إنها تستغل الى أقصى حدّ خشية المقاومة على بيئتها، وإمكان الرهان على عامل التهديد المباشر و«تدفيع الثمن» للمدنيين لتأليبهم على المقاومة.
في الاستراتيجيا المقابلة، عمد حزب الله الى «المعاملة بالمثل»، ما أعطى لسلاح الكاتيوشا المحدود نسبياً في تأثيره وأضراره، بُعداً استراتيجياً مهّد لقرار الانسحاب لاحقاً، مع عوامل أخرى. عمد حزب الله بدوره الى استهداف المستوطنات رداً في كل مرة كانت إسرائيل تستهدف فيها المدنيين اللبنانيين (حصرت المقاومة استخدام سلاح الكاتيوشا لاستهداف المستوطنات بالمعادلة الرّدية). وأدت هذه المعادلة الى ردع الجيش الإسرائيلي عن الاستمرار في تنفيذ استراتيجيا «مركز الثقل» المدني في لبنان.

صاروخ الكاتيوشا، المحدود نسبياً في تأثيره وأضراره، تحوّل إلى سلاح استراتيجي


برزت هذه الاستراتيجيا أكثر وبشكل واسع في عدوان نيسان عام 1996، إذ استهدفت هذه العملية تدفيع المدنيين أثماناً باهظة عبر التدمير والإبعاد والتهجير، مع الرهان على إيجاد ديناميكية شعبية ورسمية في لبنان تحاصر المقاومة وتمنعها من استهداف الاحتلال. إلا أن صلابة المقاومين وتصدّيهم للاعتداء، مع الرعاية الخاصة التي أولاها في حينه الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد، منع الاحتلال من تحقيق مطلبه، وحوّل التهديد الى فرصة عبر معادلة فرضت على إسرائيل: منع استهداف المدنيين بما عرف في حينه بـ«تفاهم نيسان»، مع آليات مراقبة دولية للشكوى وتوثيق الاعتداءات وتظهيرها.
إبعاد المدنيين عن دائرة المواجهة، واحدٌ من أهم النجاحات التي حققتها المقاومة خلال تاريخها الطويل في مقارعة الاحتلال. وهو - الى جانب استمرار العمليات العسكرية - أسس فعلياً لقرار الانسحاب الإسرائيلي اللاحق، بلا قيد أو شرط.
اضطرار إسرائيل الى اتخاذ قرار الانسحاب من لبنان، ما كان ليأتي من دون مقاومة عسكرية وتضحيات وتراكم إنجازات ميدانية ضد الاحتلال عبر السنوات. أي مقاربة أخرى، غير الفعل المقاوم العسكري تحديداً، كانت لتتيح الفرصة لإسرائيل كي تبقى بلا مجادلة في لبنان، وكانت لتحول أرضه المحتلة الى أراض متنازع عليها كما هي حال غيرها من الأراضي العربية المحتلة، ومحلاً للتسويات والأخذ والرد والتجاذب، مع ضغوط أصوات جهات صهيونية، كما هي العادة والفعل التاريخي للصهاينة، باتجاه الضم والاستيطان والادّعاء بالتبعية التاريخية الدينية والوعد الإلهي والتوراتي.



سؤال الانسحاب... دائم
قرار الانسحاب من لبنان لم يتبلور لدى المنافس على رئاسة الحكومة الإسرائيلية عام 1999، إيهود باراك، بوصفه البند الأول في حملته الانتخابية التي فاز بموجبها على منافسه بنيامين نتنياهو، بل كان متبلوراً وفي حد أدنى تسمّرت عوامل تبلوره على طاولة القرار في تل أبيب عبر السنوات، وكان الانسحاب فعلياً مادة بحث وتقييم لدى المؤسسات الرسمية ذات الصلة، منذ قرار الانسحاب الجزئي عام 1985، على وقع ضربات المقاومة.
إلا أن إسرائيل كانت تراهن في كل مرة على مزيد من القوة والتهديد والضغوط العسكرية والمزبد من تدفيع الأثمان للمقاومة وبيئتها الشعبية، رغم أن السؤال في الموازاة كان يعيد فرض نفسه مع فشل الخيارات والاستراتيجيات: ما جدوى البقاء في لبنان في ظل الاستنزاف المادي والبشري والتآكل في صورة الاقتدار الإسرائيلي؟
هذا السؤال حضر بقوة لدى عدد من رؤساء الحكومة الإسرائيليين قبل تبلور قرار إيهود باراك بالانسحاب بلا قيد، وهو ما كان يسمّيه الانسحاب من لبنان بموجب اتفاق أو من دونه. من بينهم إسحق رابين الذي كان ليتخذ قراره لولا الخشية من القيد الداخلي والتوازنات السياسية الهشة في ائتلافه الحكومي، وكذلك لدى بنيامين نتنياهو نفسه، الذي أعرب عن إرادة الانسحاب بموجب اتفاق ما مع الجانب السوري.
كانت الغلبة دائماً، في الحالتين للمكابرة وتأجيل الاستحقاق والعودة الى تطلعات مبنية على رهان هزيمة المقاومة وكسرها، عبر الإصرار أكثر على المقارعة العسكرية والأمنية، أو خيارات سياسية بديلة فشلت في الوصول إلى نهاياتها، وهو ما عمدت إليه حكومات تل أبيب، قبل تبلور قرار الانسحاب بلا شروط.
كانت الصورة واضحة لدى باراك المرشح لرئاسة الحكومة، ولاحقاً بوصفه رئيساً لها: إسرائيل غير قادرة على مواصلة الستاتيكو في لبنان ويتعذّر عليها تحمل تبعاته وبات عليها التراجع. بحث في حينه عن انسحاب باتفاق، كما كان مطروحاً على طاولة القرار مع من سبقوه في المنصب، مع نية الانسحاب بلا قيد أو شرط، في حال فشل المفاوضات مع الجانب السوري، وهو الذي حصل بالفعل.