«هل يعاني مستشفى رفيق الحريري الجامعي من انقطاع التيار الكهربائي كبقية البلاد؟ نعم». كانت كافية هذه التغريدة التي كتبها المدير العام للمستشفى، فراس الأبيض، على موقع تويتر، لنعرف أن البلاد وصلت إلى القعر. فالمستشفى الذي «خصّص» ليكون الأساس في مواجهة فيروس كورونا، هو اليوم بلا كهرباء، بعدما أدرجته الدولة على لائحة التقنين الأقسى، والتي وصلت يومَي الخميس والجمعة الماضيين إلى 21 ساعة في اليوم. ولما لم يكن من السهل تغيير الواقع الذي تغرق فيه البلاد، اتجه المستشفى نحو أقسى الخيارات، من دون أن تكون الأسوأ، فعمّمت برقية على الأقسام الإدارية تطلب فيها إطفاء أجهزة التبريد في المكاتب الإدارية وفي بعض الممرات «من أجل إعطاء الأولوية للمرضى حرصاً على صحتهم وسلامتهم». لم يكن أمام إدارة المستشفى سوى خيارين لا ثالث لهما: إما اتخاذ إجراءات «تقنين» داخلية في الأقسام الإدارية لضمان استمرار أقسام المرضى، وإما «انتحار» المستشفى بطاقمه الإداري ومرضاه، لأن انتظار الدولة لحل المعضلة لم يعد مجدياً. لجأ المستشفى الى الخيار الأول، فطلب من رؤساء المصالح فيه «ترشيد استهلاك الطاقة الكهربائية»، وأوقف أجهزة التبريد في كل المكاتب الإدارية وممراتها، فيما أبقاها في «الأماكن التي تحتاج إلى التبريد، مثل الصيدلية حيث تباع الأدوية، وهي في معظمها أدوية أمراض مستعصية، وفي غرف العمليات وغرف المرضى وغرف غسل الكلى»، بحسب نسرين الحسيني، المسؤولة الإعلامية في المستشفى. مع ذلك، لم تسلم الأقسام التي بقي التبريد فيها متاحاً من تداعيات الأزمة، فقد أتبعت الإدارة برقيتها بملحق تضمّن إجراءات أخرى، إذ عملت على تقليص أعداد غرف العمليات من 10 إلى 4 غرفٍ فقط لا يزال المستشفى قادراً على توفير التبريد لها.
تقليص أعداد غرف العمليات من 10 إلى 4 فقط لا يزال المستشفى قادراً على توفير التبريد لها

وبسبب هذا القرار، كان لا بد من «التقنين» في العمليات أيضاً. إذ طرأ كثير من التغييرات على جدول العمليات، «فعملنا على تأجيل بعض العمليات التي يمكن تأجيلها، مثل الحالات الباردة غير المستعجلة، وتعديل أوقات بعضها بحسب التيار الكهربائي». قرارات ليست آخر مطاف الأزمة في المستشفى الحكومي الجامعي. ففي كل يوم تتكشّف هذه الأخيرة عن رزمة جديدة من الإجراءات القاسية التي تتخذها الإدارة، لتفادي توقف بعض الأعمال الأساسية في المستشفى «الذي يشغّل اليوم 85% من طاقته الاستيعابية للمرضى». وفي موازاة تلك الإجراءات، اتجهت إدارة المستشفى صوب الوزارات المعنية، الصحة والطاقة والمياه، حيث «أخذت وعداً اليوم بخفض ساعات التقنين إلى 6 ساعات»، على ما تقول الحسيني.

وإن كانت مؤسسة كهرباء لبنان قد أعلنت أنه بناء على رغبة وزارتي الصحة والطاقة والمياه، عملت المؤسسة على زيادة ساعات التغذية للمؤسسة، علما أنه "منذ السبت الماضي تتلقى ساعات تغذية بحدود ١٨ ساعة برغم الوضع السيء الذي تمر به البلاد"، على ما تقول مصادر المؤسسة. أضف إلى ذلك أنه "فتنا بظرف غير عادي، وحتى الخطوط المستثناة لحقها خيار التقنين".
ما حصل خلال الأيام الماضية في المستشفى الذي يفترض أن يكون مشمولاً بلائحة الاستثناءات من التقنين القاسي، يفتح الباب على مصراعيه على عري النظام الذي لا يزال مصرّاً مع كل أزمة على إذلال الناس. وهذه المرة طاول الذلّ المستشفى الذي يواجه اليوم أخطر فيروس في العالم.