الشحنة الهائلة من الغضب عند غالبية اللبنانيين من جراء الأزمات القائمة، لا تبدو كافية لإحداث تغيير جوهري في سياسات الفريق الحاكم. وحملة الضغوط التي تقودها الولايات المتحدة الأميركية لتدفيع اللبنانيين ثمن عدم الخضوع لسياساتها، تعزز الانقسامات الداخلية، مع وجود فريق وازن بين اللبنانيين يرفض مواجهة الضغوط الأميركية. وفي هذا الفريق حشد كبير من المتنفذين سياسياً واقتصادياً ومالياً، وتديره منظومة سياسية واقتصادية واجتماعية تعتبر أن الغضب الأميركي عليها سيدفعها الى تغيير كبير في نمط حياتها، وهي غير راغبة وغير مستعدة لذلك. وسنلاحظ أن توتر هذا الفريق سيكبر يوماً بعد يوم، وغالبية أركانه وعناصره تعوّدوا نمطَ عيشٍ قام وتعزز على مدى عقود طويلة. ويجد هؤلاء أن من الصعب أن يعيشوا في حالة تقتضي التقشف وتغيير العادات على أنواعها. وهي حالة أخرجت الى العلن الجوانب العنصرية المكتومة عندهم، فصاروا يعبّرون عنها بترداد أفكار خطيرة، من نغمة الفيدرالية الى نغمة الفصل مع العالم العربي الى نغمة التوقف عن لعب أي دور سياسي يزعج حاكم العالم.

المشكلة هنا ليست في أفكار هذه الفئة من الناس. المشكلة في أنهم يظهرون استعداداً للسير في ركب الضغوط الأميركية، معتقدين أنهم سيحظون بمعاملة خاصة من الغرب المستعمر. وحالة الدونية التي يعيشها هؤلاء إزاء الرجل الأبيض، تدفعهم في كثير من الأحيان الى تجاهل كل خطبهم وشعاراتهم الفارغة عن الاستقلال. يريدون انسلاخاً تاماً عن كل ما يربطهم بهويتهم العربية ومتطلبات الصراع في المنطقة. هؤلاء لا يمانعون رفع العلم الأميركي على شرفات منازلهم، ليس دعماً للمنتخب الرياضي الأميركي، بل دعماً للتصور الأميركي لحكم العالم، ومنه لبنان. مشكلة هؤلاء أنهم، إلى الآن، لا يجيدون التمييز بين الإعلان عن تبنّي موقف أو تأييد فكرة، وبين تحمل مسؤولية ذلك. وهم ببساطة لا يعرفون كلفة هذا الخيار عليهم، سواء لناحية موقعهم عند الأميركيين أنفسهم، أم عند بقية اللبنانيين.
منذ أمد بعيد والانقسام في لبنان يتمظهر حيال نموذج العيش، كما هو حال الانقسام في كل مكان على الكرة الأرضية. مشكلة «اللبنانويين» أنهم يرفضون الإقرار بفشل النموذج الذي اخترعه الاستعمار لخدمة أغراضه وأتباعه من اللبنانيين. وهذا ما جعل كل السياسات العامة للحكومات على اختلافها، قبل اتفاق الطائف وبعده، تستند الى فكرة أن «اللبنان» هو الوسط الذي يشمل شريطاً ساحلياً يمتد من جنوب طرابلس الى شمال صيدا، ويرتفع الى حدود السلسلة الغربية شرقاً. وكل من يعيش خارج هذه المنطقة، هو مواطن من الدرجة الثانية، مهمته في الحياة خدمة سكان «كوكب لبنان». والخدمة هنا، تعني أنه لا يمكن له أن يعمل خارج مستويات العمل الدنيا؛ عسكرياً أو شرطياً أو موظف بلدية، سائقاً أو خادماً أو حاجباً، مساعداً تقنياً أو تنفيذياً أو وسيطاً بين التجار والمستهلكين. هذه السياسة هي التي خلقت الاحتكارات والمصارف والتعليم الخاص وفكرة المستشفى في المدينة والمستوصف في الريف، وفكرة المركزية في مكان وموقع رأس المال وخدماته العامة. هي سياسة جعلت الناس، إن هم حاولوا القدوم للعيش في هذا «اللبنان»، مجبرين على الإقرار بفوارق طبقية واجتماعية تجعل مكان عيشهم محصوراً في الضواحي المهمشة. ولا يحق لهؤلاء أن يرفعوا من مستوى معيشتهم أو أن يرفعوا من رقيّ مكانهم الاجتماعي، وهذا ما يعني التوزيع غير العادل للخدمات العامة. حتى عندما يتمكن أبناء محيط «اللبنان» من السفر والحصول على فرص للعلم والعمل، فإن شروط عودتهم الى بلادهم تفترض انخراطهم في آلية ومنظومة هذا «اللبنان»، من كيفية توظيف أموالهم الى نوعية الأعمال التي يحق لهم الانخراط فيها، الى حجم الإنفاق الاستثماري المسموح به لهم خارج أسوار هذا «اللبنان»، علماً بأن مشكلة الدونية المضمرة عند الطامحين إلى الانتماء لهذا «اللبنان» جعلت من أصحابها الصورة الأكثر بشاعة عن الرجل الأصلي؛ مثل حال بعض المهاجرين في الغرب الذين يمارسون أعتى صنوف العنصرية ضد أبناء جلدتهم كسباً لرضى الرجل الأبيض.
محاولة فهم حالة التوتر التي تسود هذا الفريق الآن، تتطلب عملياً فهم رفضهم الإقرار بفشل نموذجهم السياسي والاقتصادي والاجتماعي. هم يرفضون الإقرار بحقيقة أنهم هم من يعمل بالأجرة عند أصحاب الأموال الخارجية. وهم مستعدون لكل شيء، من الخيانة الوطنية الى الانعزال والدعوة الى التقسيم، الى تبنّي العنصرية بكل أشكالها، إذا كان في ذلك ما ينقذهم من واقعهم. وهم يرفضون أبسط الحقائق حول أنهم لا ينتجون ما يكفي لهذا النمط من الاستهلاك. وهم أنفسهم الذين يرفضون اليوم، وسيرفضون غداً، الإقرار بحقيقة أن التخلص من أعباء هذه الأزمة، يتطلب منهم مغادرة المسرح الذي عاشوا فوقه لعقود طويلة. أما المكابرة فهي تعني أمراً واحداً: المزيد من الإحباط، والمزيد من التوتر، والمزيد من الحروب والمزيد من الهجرة... وبالتالي الخسارة الكاملة!
بهذا المعنى، فإن التوتر سيزداد يوماً بعد يوم، والمواجهة مع «حزب المصرف» ستكون أكثر قساوة. وهو حزب له عناصره السياسية والمالية والإعلامية والدينية والحزبية والاجتماعية والثقافية. هو حزب مستعد للقتال، ويفعل ذلك اليوم، ويعلن على الملأ أنه حليف للتوجه الأميركي - السعودي (الإسرائيلي). وسنسمع من يخرج منه ليعلن صراحة رفضه للمقاومة بكل أشكالها، بعدما مارس التقية ثلاثة عقود بفعل عجزه من جهة، وبفعل قوة المقاومة من جهة ثانية. هذا الحزب سيسعى الى الاحتفاظ بكامل مكتسباته القائمة على سرقة المال العام والخاص. سنشهد مع الوقت «غزوة انعزالية» جديدة تسود الأوساط نفسها التي تنتمي الى لبنان القديم، مع بعض من انتسب إليها بعد ثورة الأرز اللبناني الفخم. وستكون المعركة أكثر شراسة، وسيتعرض اللبنانيون لعملية ترهيب قاسية، وتخويف من مغادرة هذا «اللبنان»، وسيسكن الخوف الجماعات الصغيرة، وربما تلتف حول زعاماتها أكثر. وستكون «الصدقة والإعاشة» السبيل الوحيد لإعالة هذه الجماعات من قِبَل مرجعياتهم السياسية والدينية. وسيكون المصلون، أيام الجمعة والأحد، عاجزين عن سؤال من يعظهم أو يخطب فيهم، عن كلفة المكان الذي يقفون فيه، وثمن الحلة والزينة التي تحيط بممثلي الله على الأرض، وإذا ما كان يمكن استبدالها بطعام وعلم لأولادهم.
مشكلة هذا التيار الواسع أنه سيكون مضطراً، وفي القريب العاجل، الى الإقرار بالوقائع اللبنانية الجديدة، التي تقول بأن هذا «اللبنان» لم يعد عنده أي فرصة للحياة، وأن أولاد الأحياء الفقيرة ما عادوا على صورة آبائهم وأجدادهم، وأن ما يملكونه من قدرات وإمكانات، وما بذلوه من تضحيات، ستفرض على الآخرين القبول بهم شريكاً كاملاً في بناء «اللبنان الجديد»، وأن العلاقة مع محيطنا العربي لا تقررها سياسات الاستعمار، وأن فكرة الحدود المغلقة شرقاً ستسقط بقوة الأمر الواقع، قريباً، وأقرب مما يظن كثيرون. وعلى هؤلاء التعود أن العالم الجديد لم يعد محصوراً في الغرب الاستعماري حيث تتراجع عناصر التفوق عقداً بعد عقد وجيلاً بعد جيل.
لكن، ما الجديد؟
إعلان حزب الله انخراطه في معركة بناء الاقتصاد المنتج، تمثل تحولاً كبيراً يجدر بأصدقاء الحزب قبل أعدائه التعرف عليه جيداً، والتدقيق في طبيعته. حتى الذين يشكون من ابتعاد الحزب عن المسألة اللبنانية، يفترض بهم الاستعداد لمواجهة هذا الشكل الجديد من الانخراط في المسألة الداخلية. لكن الواجب يقضي بنصح الجميع بعدم وضع سقوف للتوقعات مخالفة للوقائع والقدرات على حدّ سواء. إن التحول في سياسة حزب الله الداخلية لا يعني إقراره خطة تغيير النظام في لبنان. وبالتالي، فإن هذا التحول لا يوجب تعديلات جوهرية في آليات الحكم القائمة. وليس منطقياً أن يطالب أحد الحزب بأن يعدّ لمواجهة «حرب التجويع» وأن يخوض في الوقت نفسه معركة هدم الهيكل الحالي.

الساعون الى تغيير جذري في بنية النظام، من موقع وطني ليبرالي أو يسار اجتماعي، أمامهم فرصة تاريخية للتصرف بواقعية والاستفادة من إعلان المقاومة انخراطها في المسألة الداخلية


حزب الله معنيّ حكماً، وأكثر من أي وقت أو استحقاق آخر، بالبحث عن شركاء جديين لخوض هذه المعركة الكبيرة. وعليه التفكير ملياً في الأدوات والأشخاص وآليات العمل. ومن الأفضل أن يجد سريعاً الإطار الأنسب والأكثر فعالية لمناقشة ما ينويه مع بقية الناس. لكن الأهم هنا، يخص أصحاب الآراء التغييرية من بقية اللبنانيين، من ليبراليين وطنيين الى يسار اجتماعي الى المهمشين في هذه الأرض، إذ يقفون اليوم أمام فرصة نادرة، هي فرصة الاستفادة من معركة بناء الاقتصاد المنتج، لأجل اعتماد مبدأ «خذ وطالب» والشروع في خلق آليات جديدة في العمل السياسي والشعبي. ومن يجد نفسه مستعداً لتحمل وزر المعركة الوطنية الكبيرة، عليه أن يكون واقعياً، وعليه البحث في كيفية بناء تحالف مستدام مع المقاومة، بوصفها تمثّل اليوم الرافعة الوحيدة لمعركة التغيير العام في لبنان. وكل قلق من أن انتصار المقاومة في هذا المعركة سيفرض واقعاً ثقافياً وسياسياً واجتماعياً مختلفاً، هو وهم بوهم. لكن الأكيد أن تغيير نمط التفكير إزاء أي نظام يحكمنا سياسياً، وأي سياسات اقتصادية، وأي أدوات للحكم والإنتاج، سيفرض تغييراً كبيراً. ومن يعتقد بأن حزب الله لا يملك الخبرة الكافية لبناء نموذج أفضل، ويجد نفسه صاحب مصلحة في تحسين شروط المعركة، عليه المسارعة باكراً، الى تحديد موقعه في هذه المواجهة. ومن يُرِد تحديد موقعه، عليه أن يعرف أن هناك تضحيات كبيرة مطلوبة من الجميع...
لنبدأ تمريننا الأول برفع شعار «تباً للنوتيلا»!