مقابل مستعمرة المطلّة الملاصقة لسهل الخيام الشاسع، «يبسّط» أحمد عيسى بمزروعاته من الخُضر. في الحقول الكثيرة خلفه، ينتشر عشرات المزارعين بما يوحي وكأن سهل الخيام، وهو الداخلي الوحيد في جنوب لبنان، عاد إلى سيرته الأولى، عندما كان، حتى نهاية سبعينيات القرن الماضي، مورد رزق معظم أبناء المنطقة، قبل أن يهجّرهم الاحتلال إثر مجزرة في البلدة ذهب ضحيتها أكثر من 50 شهيداً.

مع بدء انتشار فيروس «كورونا» واشتداد الأزمة المالية واستشعار خطر الحصار الاقتصادي، عاد كثيرون إلى حقولهم، وشجّعتهم على ذلك مبادرات أهلية وبلدية بتوزيع الشتول لزراعة الأراضي المهملة. لكن الزراعة أكثر من مجرد «دسّ شتلة في التراب»، بحسب المزارع الستيني حسين عواضة. فـ«أراضينا تُزرع اليوم بشكل عشوائي، وتخضع لتجارب المزارعين، فيما دعم الدولة والإرشاد الزراعي غائبان»، وخصوصاً في ما يتعلق بتأمين مياه الري للأراضي البعيدة عن نبع الدردارة، ناهيك بزحف الأبنية السكنية على السهل بشكل مخالف للقانون، وانتشار التلوّث في السهل نتيجة تعطّل معمل تكرير مياه الصرف الصحي القريب من مدينة مرجعيون. الحفر العشوائي للآبار الارتوازية أدى إلى جفاف ينابيع كان المزارعون يعتمدون عليها بشكل كبير لريّ الأراضي الزراعية في السهل الذي تصل مساحته إلى نحو 28 مليون متر مربع. وقد عملت بلدية الخيام على مدّ الأنابيب لري نحو نصف أراضي السهل من نبع الدردارة، فيما يبقى النصف الآخر من دون ريّ.
في بلدة حولا (مرجعيون)، يشكو المزارع حسن أيوب من عدم القدرة على ري بعض مزروعاته بسبب الانقطاع المستمر للمياه، لافتاً إلى أن «70% من أبناء البلدة عادوا إلى الزراعة. لكن الأمر يحتاج إلى مواكبة. الحماسة زادت بعد الخطاب الأخير للسيد حسن نصرالله، لكن أول عمل يجب القيام به لدعم الزراعة والمزارعين هو معالجة سوء توزيع المياه على البلدات». لذلك بقيت زراعة التبغ والقمح أكثر فائدة لصغار المزارعين، لعدم حاجتها إلى المياه، وتأمين تصريف الإنتاج بالنسبة إلى التبغ، وإمكانية صمود إنتاج القمح لسنوات قبل تصريفه. أضف إلى ذلك أن «المزارعين الصغار لا يستفيدون من خدمات الجمعيات والمنظمات الدولية، بل أصحاب التعاونيات الزراعية المرخّصة، رغم أن أغلبها مسجّل بأسماء وهمية لخدمة بعض المنتفعين الذين يحصلون على المبيدات والأسمدة والآليات الزراعية المختلفة، والتي يتم بيع بعضها في السوق السوداء»، بحسب المزارع أحمد كريم.
شحّ المياه وسوء توزيعها يستوجبان، بحسب الخبير الزراعي طارق ياسين، «إعادة حفر البرك الزراعية التي رُدم معظمها في السنوات الماضية، والتركيز على الزراعات الشتوية والبعلية». فيما يشدّد رئيس مركز الإرشاد الزراعي في بلدة الخيام فؤاد ونسة على «ضرورة إعادة تشغيل المختبر الزراعي المركزي في البلدة، والذي جُهّز منذ نحو 10 سنوات بأحدث أجهزة فحص التربة والمنتجات الزراعية والحيوانية، ولا سيما زيت الزيتون والعسل»، لافتاً إلى أن إعادة تشغيل المختبر «لا تتطلب سوى تأمين المواد الأساسية الموجودة أصلاً في وزارة الزراعة. وهذا أمر أساسي لمواجهة الأمراض التي تتعرض لها المزروعات، بسبب نقص الأسمدة الطبيعية الموجودة في الأراضي الزراعية، إضافة إلى التلوّث».

مزروعات كثيرة أصيبت بالجفاف وبأمراض مختلفة نتيجة شحّ المياه وعدم الخبرة في اختيار أنواع الشتول


في منطقة سردة، الملاصقة لنهر الوزاني، انتشرت في الأعوام الثلاثة الماضية زراعة اللوزيات (نحو 6000 دونم) والعنب (5000 دونم) والخضار والحبوب، على أيدي الأهالي ومزارعين كبار، ما ساهم في تأمين عشرات فرص العمل. لكن، بحسب ونسة، «تحتاج هذه المنطقة إلى تأمين مرصد متخصّص للطقس لتوجيه المزارعين إلى أوقات العمليات المطلوبة من تشحيل وتسميد وغيرهما، بما يحدّ من انتشار الأمراض الزراعية». كما أن تسويق المنتجات يحتاج إلى «سوق خُضر مركزي في المنطقة، وإلى برّادات زراعية ضخمة».
حملة «بيادرنا تقاوم» التي أطلقتها بلدية عيناثا (بنت جبيل)، نهاية العام الفائت، أدت إلى زراعة نحو 100 دونم من الأراضي المهملة والمتروكة، الأمر الذي «حقّق إنتاجاً لافتاً من الحبوب، بخاصة القمح، الذي ستعمد البلدية إلى توزيعه على المحتاجين من أبناء البلدة»، بحسب الناشط الزراعي في البلدية حسن نصرالله. والأمر نفسه لجأت إليه عدة بلديات أخرى من بينها بلدية شقرا ودوبيه التي التزمت بحراثة أراضي المزارعين وزراعتها بالحبوب. إلا أن الإقبال اللاّفت على الزراعة كان «عشوائياً وغير مدروس»، وفق رئيس بلدية عيترون المهندس الزراعي سليم مراد. «فمزروعات كثيرة أصيبت بالجفاف وبأمراض مختلفة نتيجة عدم الخبرة في اختيار أنواع الشتول والحبوب، إضافة إلى شح مياه الريّ». هذا يتطلّب «ضرورة ترشيد المزارعين وتأمين البذور المناسبة للتربة ومكافحة التلوث وتسميد التربة التي أصبحت فقيرة بالمواد العضوية نتيجة عدم وجود الرعي والسماد الطبيعي»، كما يحتاج إلى «إنشاء معامل خاصة بالسماد العضوي الذي يمكن تأمينه من جفت الزيتون والخروب وغيرهما من المزروعات المنتشرة في مناطقنا، إضافة إلى تفعيل معمل سلعاتا المتخصّص بصناعة الأسمدة الفوسفاتية، والتوجه إلى الصين وغيرها لشراء الأدوية والأسمدة الزراعية بأسعار منخفضة، لأن كلفة هذه الأسمدة في لبنان تزيد على 120 مليون دولار سنوياً».