على غرار الأعوام الماضية، تجهد تل أبيب هذا العام، أيضاً، لتغيير تفويض قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (اليونيفيل)، عبر تضمين قرار تجديد ولايتها المقرر صدوره عن مجلس الأمن الشهر المقبل، ما يضمن أن تواجه القوات الدولية حزب الله، بالوكالة عن جيش العدو، من دون أي «قيد أو شرط».

على هذه الخلفية، نظمت وزارة الخارجية الإسرائيلية، بالتعاون مع الجيش الإسرائيلي، جولة ميدانية بالقرب من الحدود مع لبنان لاثني عشر سفيراً وممثلاً دبلوماسياً لدول أعضاء في مجلس الأمن و/أو تشارك قواتها في اليونيفيل. الجولة التي خصّصت للتحريض على حزب الله و«استعراض» أوجه تهديده لإسرائيل ومكامنه، ركزت على معاينة «أنفاق هجومية» خارقة للحدود كانت إسرائيل دمرتها عام 2018، إضافة إلى انتشار حزب الله عسكرياً و«تعاظمه النوعي».
مطلب إسرائيل الدائم من مجلس الأمن هو إضافة بنود جديدة أو أخرى «توضيحية» على قواعد الاشتباك التي تنظم عمل القوة الدولية في جنوب لبنان، التي من شأنها فعلياً أن تضمن لإسرائيل استغلالاً كاملاً لليونيفيل في مواجهة المقاومة. وبين التعديل والتوضيح، يبرز مطلب وقف العمل بقيود عملانية «فُرضت على القوة الدولية من خلال توسع لبنان - و«خضوع» اليونيفيل - في تفسير نص القرار 1701، وتحديداً بند التنسيق مع الجيش اللبناني، الأمر الذي يحدّ من حرية تحرك القوة»، تحقيقاً للمصالح الإسرائيلية.
في الخلفية، تحمل مداولات مجلس الأمن، الشهر المقبل، التي تسبق التجديد لليونيفيل، أملاً متجدداً في إسرائيل، في إمكان تغيير قواعد الاشتباك، وأن تنجح هذه المرة في ما عجزت عنه في السنوات الماضية. وكما هو معروف، قواعد الاشتباك الفعلية لليونيفيل، أو أي جهة، ترتبط مع نص أو من دونه، بالقدرة الذاتية والمقابلة وإرادة تفعيل القوة، التي تكون مبنية على دوافع وحوافز وكذلك كوابح، وفقاً لمعادلة الجدوى والتكلفة وضرورات المخاطرة نفسها. وهي التي كانت حتى الآن تحول دون توظيف اليونيفيل، بشكل كامل ومباشر في مواجهة المقاومة وعرقلة استعدادها في منطقة عملها في جنوب لبنان.
والامل الإسرائيلي هذا العام مبني على جملة تطورات ووقائع استجدت في لبنان والمنطقة في الأشهر الأخيرة، ومن شأنها، ربما، تمكين القوة الدولية من تنفيذ أجندات إسرائيل كاملة، من دون عراقيل من اللبنانيين، بناءً على فرضية انشغالهم بأزماتهم.
بالطبع، من المستبعد أن يكون التقدير الإسرائيلي مفرطاً إلى الحد الذي يأمل تحقيقاً كاملاً للمصلحة الإسرائيلية عبر «أداة» اليونيفيل بعد تغيير تفويضها، إذ إن الأزمات الداخلية في لبنان لا تصل إلى حد الاستسلام أمام إرادة إسرائيل، حتى وإنْ «حُشرت المقاومة في الزاوية». لكن ما بين هدف مبالغ فيه وهدف مأمول ضمن التوقعات، تسعى تل أبيب إلى ما أمكن، إذ لن يترك الإسرائيليون أزمة لبنان الاقتصادية من دون أقصى استغلال، ومنها طلب تغيير في قواعد الاشتباك، التي تحكم أداء القوة الدولية لمواجهة حزب الله.
وكما ورد في كلمة رئيس قسم المنظمات الدولية في وزارة الخارجية الإسرائيلية، أفيفيت بار إيلان، يجب العمل على تمكين اليونيفيل من التنفيذ الكامل لمهمتها من أجل الحفاظ على الاستقرار، عبر منع تمركز حزب الله في جنوب لبنان. وبحسب رأي المسؤولة الإسرائيلية، يتم ذلك عبر قرار يتخذ في مجلس الأمن يسمح لليونيفيل بأداء مهامها من دون قيد أو شرط.
بالطبع لم يفوّت الجيش الإسرائيلي الفرصة ليجدد تهديداته في سياق سياسة «وإلّا» التهويلية الهادفة إلى حثّ المجتمع الدولي على مواجهة حزب الله، إذ قال قائد فرقة الجليل المعروفة باسم «الفرقة 91»، شلومي بيندر، إن «جيش حزب الله موجود على خط التماس ويعمل على تقويض الاستقرار الإقليمي». وأضاف أن «على المجتمع الدولي أن يدرك ماهية هذا التهديد والعمل ضده، إذ إن قواتنا تعزز استعدادها وجاهزيتها لمواجهة أي سيناريو، ليلاً ونهاراً».
«الجولة الدبلوماسية» على طول الحدود والرسائل التي جاءت في سياقها، تأتي من ضمن سلسلة خطوات ضغط، دبلوماسية وغير دبلوماسية، تنوي إسرائيل تفعيلها بمعية الراعي الأميركي للاحتلال، مع اقتراب موعد مداولات التمديد لليونيفيل. فهل ستنجح هذه المرة في التوصل إلى نتائج كانت قد فشلت في تحقيقها في الماضي؟
ترتبط الإجابة بجملة عوامل، منها ما هو في حكم المحقق إسرائيلياً، ومنها ما كان يتعذر على العدو تحقيقه، وإنْ مع تفعيل الضغوط الأميركية في أكثر من اتجاه. واحدٌ ممّا يتعذر على إسرائيل تجاوزه هو الإمكانيات الفعلية للقوة الدولية ضمن نطاق بنود تفويضها وجاهزيتها العسكرية واستعداد الدول المشاركة في عديدها للمخاطرة بالتسبّب في نزاع هي في غنى عنه.
مع ذلك، لا تضر المحاولة إسرائيل، وإن أخفقت فعلياً في التوصل إلى تعديلات في بنود القرار 1701. الجولة وما تضمنته من مواقف وسرديات ومعاينات لممثلين عن أعضاء من مجلس الأمن، وإنْ من جانب واحد للحدود، تخدم إسرائيل دعائياً، وتؤمّن لها، وإنْ بقَدر، تعزيز ما تقول إنه «مشروعية» فعلها الاعتدائي ضد لبنان فيما لو تحولت المواجهة الصامتة بين الجانبين، لسبب أو لآخر، إلى مواجهة صاخبة.
«التعديلات الفورية»، التي تبدو أكثر إلحاحاً وأكثر «معقولية» في إمكان تحقّقها نظرياً، تتعلق بتغيير آليات التنسيق بين الجيش اللبناني واليونيفيل قبل وخلال وبعد عمليات تفتيش أماكن ودور سكنية تطلب تل أبيب تفتيشها، وكذلك التعامل مع أي عرقلة تواجه القوة - وإن جاءت من قبل أهالي القرى، التي تمنع دخول دورها السكنية من دون إذن من الجيش اللبناني - على أنها عرقلة من قبل حزب الله. تحقيق ذلك إن أمكن، قد يكون تمهيداً لخطوات ميدانية أخرى أكثر تطرفاً في خرق القرار 1701، وصولاً إلى توظيف كامل وبلا حدود، لليونيفيل في خدمة إسرائيل.